إن قلت "إن العرب في غنى عن الديمقراطية"، غضب منك نصفهم، وإن قلت إنها "ضرورية وحتمية لحاضرهم ومستقبلهم"، أثرت النصف الثاني من العرب عليك!

إذا قال أحد الغربيين أو المستشرقين إن "الديمقراطية" من القيم السياسية والاجتماعية الأوروبية أو الغربية، ولا تصلح للعرب أو المسلمين ثارت عليه الأقلام وتوالت التهم، وإن قال كاتب عربي أو مسلم إن هذه البلدان لن تنهض إلا بالسبل الديمقراطية واجه المصير نفسه.

Ad

والسبب الأساسي في هذا الانقسام أننا كشعوب وحكومات وأفراد لا نعرف ما نريد، وإن كنا نعرف جيداً ما لا نريد!

ولهذا ثارت الملايين في تونس وليبيا ومصر وسورية واليمن، وانتهينا إلى ما انتهينا إليه من شتاء أو خريف!

أعظم مشاكل الديمقراطية ربما أنها تمسح آثار أقدامها على رمال التاريخ ودروبه، وتتبع سبلا متعددة للنجاح في دولة وتجارب قد لا تتكرر في كل زمان ومكان! والإ فما الذي يجمع مثلا بين السويد والهند؟!

الباحث في الشؤون الآسيوية البحريني د. عبدالله المدني يقول: "إن من حسن حظ الهند وهي تخطو خطواتها نحو الحرية والاستقلال والبناء الوطني، أن رزقت بنخب سياسية عاقلة ومثقفة ومجربة ومتجردة بصفة عامة، من الأنانية والغوغائية والشعارات الفضفاضة ونظريات الحلول المطلقة.

هذه النخب استطاعت بفضل تلك الخصائص، أن تقرأ أوضاع الماضي والحاضر والمستقبل قراءة واعية وهادئة، وأن تستوعب مشكلات الهند الكثيرة وتنوعها العرقي والثقافي والديني والأيديولوجي المعقد، واختلاف درجة نمو أقاليمها الشاسعة، ومؤثرات حضارتها الموغلة في القدم، وأن تراعي هذه العوامل كلها مجتمعة، وقت تأسيس هياكل الدولة السياسية وصياغة خططها التنموية ورسم علاقتها الخارجية".

(حوار العرب، العدد 4، مارس 2005).

وبالفعل فقد كانت الهند فقيرة ومريضة ومستعمرة ومتلاطمة ومشتتة، وفيها ألف سبب للشك وتفرق الإرادة والغضب،

وكانت بيئة خصبة لبروز زعماء متطرفين وقيادات متعصبة وشخصيات تتاجر بالدين والوطنية أو تروج للطائفية أو غير ذلك، والحال أن الهنود، يقول د. المدني "أداروا معاركهم بمزيج من الصبر والتخطيط والبراغماتية والانفتاح في ظل منظومة الديمقراطية والحريات، فيما العرب أداروا معاركهم العادلة وأهدافهم المشروعة، بالشعارات الطوباوية وخطب التحريض الحماسية وسياسات الرفض المرتجلة، في ظل منظومة القهر ودوس الحريات وشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فكان ما حصده كل طرف بحجم ما زرعه".

نظر العرب بارتياب إلى النظام الديمقراطي منذ بدايات القرن العشرين، وربما كانوا يطالبون بـ"الحرية" أو "الاستقلال" لا الديمقراطية أو الليبرالية، ولا يزال هذا موقف الكثيرين! حتى التيارات الإسلامية نراها تفصل بين "حرية الانتخابات"، إن كانت تضمن فوزها بنتائج جيدة، ولا تؤيد الديمقراطية فيما هو أبعد من ذلك، ولمثل هذا الموقف جذور تاريخية في التجربة العربية المعاصرة.

يقول الباحث العراقي المعروف د. مجيد خدوري (1908-2007) في كتابه المرجعي القيم "الاتجاهات السياسية في العالم العربي"، بيروت 1972، إن البلاد الإسلامية التي بقيت حرة من السيطرة الأجنبية مثل إيران وتركياً، اختارت أنظمة سياسية على غرار الدكتاتوريات الأوروبية المعاصرة، أو ظلت ضمن أنظمة تقليدية كالسعودية واليمن ومسقط.

ويضيف د. "الخدوري" أن الدول العربية التي وقعت تحت السيطرة الأجنبية، اختارت الديمقراطية البرلمانية مثل سورية والعراق ومصر ولبنان وغيرها، وذلك بتشجيع من الدول الأوروبية، وكانت هذه بداية ارتياب المحافظين والإسلاميين في الديمقراطية. يقول د. خدوري: "لكن البعض، وخصوصاً الفئات المتدينة، فسر هذا التشجيع بأنه وسيلة للتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية، فيما اعتبره البعض الآخر انتهاكاً للإسلام من جانب القوى الاستعمارية المسيحية". (ص 53).

ومهما بدت هذه الملاحظة سطحية، يضيف، د. خدوري، "فإنها شوهت صورة الديمقراطية منذ البداية، وزادت في الصعوبات التي واجهت مهمة الزعماء الليبراليين".

كيف كان يمكن أن يكون للديمقراطية في العالم العربي مصير أفضل؟ يجيب الباحث العراقي: كان على الدول الأوروبية التي ساهمت في صنع الأنظمة الديمقراطية الجديدة أن تتعرف إلى المجتمع العربي على نحو أفضل، وأن تهتم أكثر بالإجراءات السياسية التي كانت تتخذ في هذه الأنظمة، كي تمنح الدول العربية التي خضعت لوصايتها متسعاً كافيا من الوقت لاستيعاب وفهم المؤسسات الغربية. وكان على الدول العربية العاملة في ظل الوصاية الغربية كذلك أن تطور أنماطا من الديمقراطية السياسية خاصة بها، تناسب حاجاتها ومطامحها كما أن الزعماء العرب المتعاونين مع الغرب لم يحاولوا تطوير أي مفاهيم واضحة في مجال تبادل المصالح، "وهكذا فشلت الديمقراطية، منذ البداية، مع الفوز باحترام الشعب، فأنحى باللائمة على المؤسسات الديمقراطية واتهمها بأنها عجزت عن إصلاح الحال".

ويضيف: "استُعير من الغرب الشكل وحده، بينما كانت القوى الفاعلة في المجتمع، بالضرورة، مستمدة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية القائمة آنذاك، ولم يوجد في البلاد العربية رأي عام مدرك ومسؤول بحيث يتيح للقادة المتنورين أن يعتمدوا عليه في تبني المؤسسات الحرة وتعزيزها، وهكذا تحولت المؤسسات الديمقراطية إلى مؤسسات أوليغاركية- أي تسلط القلة أو النخبة المهيمنين بمجرد انتهاء السيطرة الأجنبية". (ص55).

لم تُبذل جهود واسعة في مجال "تعريب الديمقراطية" أو "أسلمتها" ولا يوافق كذلك الكثير من المثقفين على ذلك، لكثرة المخاطر والاحتمالات وربما كانت المحاولة غامضة الأهداف أو مستحيلة التحقيق.

يتساءل الكاتب السعودي، "زياد الدريس" في صحيفة "الحياة" 6/ 4/ 2016 "من المسؤول عن الفشل الديمقراطي في منطقتنا: المجتمع العربي أم الديمقراطية "الغربية"؟ ويجيب بسؤال فيه الكثير من النقد الذاتي فيقول: "هل اشتغلنا على الديمقراطية التي استجلبناها في علبة مغلقة، فأجرينا عليها تطويرا وتعديلا يتلاءم مع نظام التشغيل عندنا، كما صنعت تركيا والهند وماليزيا وجنوب إفريقيا في إعادة تصنيع ديمقراطيتها؟".

تجارب العرب مع الديمقراطية "هذه المفردة اللعوب" كما يقول الكاتب "الدريس" محدودة: "تجربتان عربيتان ظلتا نموذجا لمن يتوق إلى مشاهدة تجربة ديمقراطية في أرض العرب الكويت ولبنان.

وكان كل من أراد أن يثبت أن العرب يمكن أن يكونوا ديمقراطيين يشير إلى تجربتي جمهورية لبنان ودولة الكويت.

لكن الفرحة بهذين النموذجين لم تدم طويلا، إذ كانا يتشوهان دوما بالتجاذبات والتلاعبات القبلية والطائفية حتى أوصلتهما إلى ما هما فيه الآن.

فديمقراطية الطوائف جعلت لبنان البلد المتمدن دولة بلا رئيس منذ أكثر من عامين بسبب لعبة التجاذبات الانتخابية وديمقراطية القبائل جعلت الكويت التي كانت في الستينيات أيقونة التقدم الخليجي، شبه متوقفة عن أي تنمية بسبب انشغالها بلعبة استجوابات مجلس الأمة".

ما الجديد الآن، تساءل الكاتب؟ وقال: "الجديد أن الكويت لم تعد ديمقراطيتها متورطة بالمأزق القبلي فقط كما كانت لسنوات مضت، بل أضافت إليها المأزق الطائفي الأشد ضراوة وعنفا، ففي زيارة سابقة لي إلى الكويت كانت المحاصصة القبلية هي التي تهيمن على أحاديث الديوانيات الكويتية العامرة بالنقاشات، لكن في زيارتي الحديثة كان النفس النقاشي أكثر دخانا وعتمة، إذ اجتمع فيه قش القبلية مع جذوة الطائفية، فكان المناخ المناسب لاشتعال الحرائق المجتمعية".

ولكن الديمقراطية الكويتية حمت المجتمع من مخاطر اجتماع "قش القبلية" و"جذوة الطائفية"!