لا يهوى ترامب المطالعة، ويؤكد ألا داعي أن يقرأ كثيراً لأنه يتخذ القرارات بالاستناد إلى معلومات يملكها مسبقاً فضلاً عن جرعة من المنطق، لكن عند اتخاذه القرارات بشأن القدس وموقع السفارة الأميركية حري به أن يقرأ قليلاً؛ لذلك كهدية عيد الميلاد للرئيس ترامب بغية تعزيز معرفته الحالية تفاديتُ الأعمال التاريخية واخترت كتابَين يمنحانه بصيرة واسعة في فترة قصيرة: سلسلة قصائد الشاعر الإسرائيلي يهودا عميحاي عن القدس وكتاب المحامي الفلسطيني رجا شحادة "سرحات فلسطينية" (Palestinian Walks).

يقدّم هذان العملان نظرة مبتكرة أصلية تعكس إحساساً قوياً بالمكان، واللافت للنظر أن القارئ يستطيع مطالعتهما على أجزاء صغيرة (يشكّل كل فصل من كتاب شحادة "سرحة" قائمة بحد ذاتها)، مما يجعلهما مناسبين لرئيس يقول: "أفضل الإيجاز".

Ad

عاش عميحاي، الشاعر الأكثر شهرة في إسرائيل، في القدس وتوفي عام 2000، وقصائده المذهلة عن المدينة تنجح في تصوير ثقل تاريخها الشامل في جو حالك فريد: "القدس، المدينة الوحيدة في العالم التي يُعطى فيها حق الاقتراع حتى للموتى". يشير عميحاي في وصفه هذه المدينة إلى أنها جاثمة بين تلال (بخلاف نيويورك)، محتجزة أبداً عند خط الانطلاق عينه منذ ألفي سنة، ويسأل هذا الشاعر في قصيدة أخرى: "كيف يمكن لإنسان أن يكون عمدة بلدة مماثلة؟ ماذا يفعل بها؟ يبني ويبني ويبني". وفي صورة مرعبة تخيّل الشاعر صخور التلال تزحف نحو المنازل الحجرية ليلاً مثل الذئاب، هذه مدينة توتر وعنف مقموع، إنها "مبنية على الأسس المقببة لصيحة مكتومة"، وهكذا تولّد قدس عميحاي الخوف في النفوس، فهي مكان لا تود العبث به.

حالفني الحظ والتقيتُ عميحاي نحو منتصف تسعينيات القرن الماضي، فتجولتُ معه في المدينة القديمة في نهاية أحد الأسابيع فيما كان يحمل ما اشتراه إلى منزله، ومررنا ببرج القلعة القديم قرب باب الخليل، وأدركت عندئذٍ أنه بث لتوه الحياة في إحدى قصائده، وفي "السياح"، يكون عميحاي جالساً قرب البرج عينه وهو يحمل كيسين ثقيلين من المشتريات، فيلاحظ أن دليلاً سياحياً يستخدمه كمرجع ليوجّه مجموعته للنظر إلى قوس رومانية، كما يكتب هذا الشاعر أن الخلاص لن يأتي إلا عندما يقول الدليل لمجموعته السياحية: "أترون تلك القوس من الحقبة الرومانية؟ لا أهمية لها. ولكن قربها إلى اليسار والأسفل قليلاً، يجلس رجل اشترى الفاكهة والخضار لعائلته"، فعميحاي اعتبر أن العلاقات الإنسانية في الحاضر هي ما يحتاج إلى الاهتمام لا متحف الماضي.

تشكّل "سرحات" شحادة في الضفة الغربية الشهادة الأقوى التي روت تفاصيل الاحتلال، وفي هذه الأرض كبُر شحادة وسار منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، إلا أن متعة التنزه البسيطة تراجعت تدريجياً مع انتشار المستوطنات وبناء الجدار، ونتيجة لذلك تحوّل السير إلى عمل سياسي، ورواية شحادة تشكل قصة عن خسارة الأراضي المرة.

كمحامٍ حاول عبثاً مقاومة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، إلا أنه اكتشف مدى اتساع استراتيجية إسرائيل لبناء تجمعات استيطانية في مختلف أرجاء الضفة الغربية، كما أن شحادة يجمع بين قصة نضاله ووصف غنائي مفصّل لسرحاته، مصوّراً نفسه لاجئاً في وجه الاحتلال.

يعتبر شحادة، فيما يروي سرحاته على مدى 27 سنة، أن المشهد الطبيعي اختفى مع تدمير التلال وانسداد الدروب من جراء توسّع المستوطنات، وعندما كان العالم بأسره يحتفل باتفاقية أوسلو عام 1993 أدرك شحادة مرتاعاً أن هذه الاتفاقية لا تحاول حتى وقف التوسع الإسرائيلي، وهكذا وجد نفسه معزولاً حتى عن أترابه الفلسطينيين الذين أخبروه أن منظمة التحرير الفلسطينية ستُنشئ واقعاً جديداً.

تنبع بصيرة شحادة من أبحاثه وتجربته الشخصية مع المناورات الإسرائيلية، وتبين أن رؤيته القاتمة للمستقبل كانت دقيقة، أما حكمة عميحاي فلها مصدر مختلف: رد الفعل الخيالي لفنان تجاه محيطه. كتب: "التراب ضميري والحجر لا وعيي".

لنأمل أن تجد قصيدة واحدة عن القدس وسرحة فلسطينية واحدة على الأقل طريقهما إلى لائحة مطالعة رئيس يفضّل المقاطع والفصول على الكتب الكاملة.

* جو غلانفيل

* «الغارديان»