أول العمود:

Ad

وزير الصحة السابق يتم تكريمه من الناس عفويا لجهوده، والحكومة تقصيه من المنصب... لماذا؟

***

امرأة عين الفوارة، ذلك التمثال الذي حطم أجزاء منه مواطن جزائري ذو ملامح "داعشية" بحجة خدشه للحياء، قالت بعض الأخبار المحلية هناك إنه مختل عقلياً، وهو ما أشك فيه لسبب بسيط أنه دائما ما يكون هذا الوصف جاهزاً لتبرير حوادث الاعتداءات على البشر والحجر، كما أن حماس هذا المتشدد وشروعه في تكسير صدر المرأة دليل وضوح رؤية لا اختلال!

لهذا التمثال قصة، فهو مصنف ومحمي بموجب قانون صدر عام ١٩٩٩، وهو من عمل النحات الفرنسي الشهير فرانسيس فيدال، وتم تنصيبه في موقع النبع المائي عام ١٨٩٨، وحيكت حوله الأساطير التي تناقلها كبار السن، ومن بينها أن أهالي المدينة (سطيف) قبلوا بتنصيب التمثال بسبب أنه كان مرتعاً للمارة من القوافل، وما يسببونه من إزعاج بسبب مواشيهم في سابق الزمان، إلا أن قصص الغرام لا تفارق المكان الذي شكله وجود التمثال مع النبع، فكثير من الزيجات التي تتم في المدينة تجد وجهتها الأولى بعد إتمام الزواج إلى عين الفوارة لالتقاط الصور التذكارية، وكما يقال: من يشرب من عين الفوارة يرجع لها، وهي مقولة مستنسخة من الخيال المصري المرتبط بماء النيل.

وكما يبدو ويتكرر أن هناك جفاء بين المتزمتين في بعض المجتمعات العربية وبين التماثيل في عمومها، ربما لأنها تذكرهم بعهد الأصنام، رغم أن أضخمها، كـ"أبوالهول" وثماثيل مدينة الأقصر لم يتأثر بعد دخول الإسلام في مصر!

التماثيل والمنحوتات في وطننا العربي يتم تقييمها بثلاث صور: إعجاب بقيمتها الفنية، أو كنز يجب سرقته وبيعه، أو تحطيمها لأنها من ماضٍ جاهلي.

في الكويت عجز النحات الفريد والمتميز عن عرض تمثاله للشيخ عبدالله السالم في ساحة عامة، وهو يستحق ذلك لكونه باني الدولة الدستورية "أبوالاستقلال"، إلا أنه لا يزال يتربع محتجبا عن الناس في ساحة مبنى جريدة الرأي العام السابقة في شارع الصحافة منذ عام ١٩٧٢، وأظن أن أحدا لا يريد الدخول في جدل مع أصدقاء محطم امرأة عين الفواره الروحيين هنا في الكويت، لأنها معركة لا جدوى منها، ولن تكون معركة فنية، بل ستعود بنا إلى تاريخ جاهلي قديم.

الطريف في الأمر أنه في السنوات القاتمة التي عاناها إخواننا في الجزائر في عقد التسعينيات من القرن الماضي والتي راح ضحيتها آلاف المواطنين ذبحاً وقتلاً وتمثيلاً، وتسمى في القاموس الجزائري بالعشرية السوداء، تعرض التمثال لاعتداء بقنبلة محلية الصنع في عام ١٩٩٧، واضطرت معه السلطات المحلية لترميمه، وهو الأمر الذي يتكرر الآن بعد اعتداء الرجل البدين المختل عليه، وكان أن قام متشددون في حادثة سابقة بتغطية رأس وجسد "سيدة الفوارة" بقطعة قماش في محاولة لتحجيبها عن المارة!

إن أحداثا كهذه تجد جذورا فيما لا ننتبه له في نظامنا العام، نجده في مناهج التعليم، وسكوت بعض الأنظمة عن تمدد المتشددين في مساجد الدولة كما حدث في مصر والكويت والجزائر ودول أخرى، والتعامي عن خطابات التكفير والإقصاء التي نُهَوِّن من مخاطرها حتى حدث ما حدث في مسجد الصادق في نهار رمضان!!