قيام "التنظيمات السياسية" الوطنية الديمقراطية والتقدمية بطرح مشروع نظام انتخابي بديل عن النظام الحالي السيئ (عُشر صوت لكل ناخب) هو، كما ذكرنا في المقال السابق، استحقاق وطني في هذه المرحلة، وخطوة في منتهى الأهمية في طريق الإصلاح السياسي-الديمقراطي الطويل بدلاً من الانشغال الدائم في أحاديث تفصيلية ومُكرّرة عن مظاهر الفساد السياسي المؤسسي التي باتت لا تُعدّ ولا تُحصى.

هناك أيضاً خطوة مهمة أخرى ينبغي أن تترافق مع حملة النظام الانتخابي البديل كي لا يفقد جدواه، ألا وهي المطالبة بإصدار قانون لإشهار التنظيمات السياسية على أسس وطنية وديمقراطية لأنه لا نظام ديمقراطيا حقيقيا من دون أحزاب سياسية وطنية (قد تأخذ أحياناً مسميات أخرى هيئات أو جمعيات أو ما شابه)، بحيث تتنافس سياسياً حول برامج عامة تهم الناس كافة، وتستهدف تطوير المجتمع.

Ad

هذا ناهيك عن أن إشهار التنظيمات السياسية سيضع حداً للفوضى السياسية الموجودة حالياً، وسيُمكّن الدولة من معرفة عدد أعضاء كل تنظيم سياسي (يشترط عادة عدد معين للإشهار بحيث لا يقوم شخص أو شخصان بإعلان أنفسهم تنظيما سياسيا)، ومصادر تمويله، أي طريقة الحصول على الأموال التي يستخدمها في نشاطه السياسي وحملات الدعاية والإعلان بشكل عام، وفي الحملات الانتخابية بشكل خاص، وذلك كي لا تقوم جهات خارجية بتمويل تنظيمات سياسية محلية بعيداً عن أعين الجهات الرقابية في الدولة، وهو الأمر الذي يسهل عليها عملية التدخل بشكل غير مباشر في سيادة الدولة.

التنظيمات السياسية المدنيّة الديمقراطية هي أشكال تنظيمية راقية، بديلها هو استمرار الفوضى السياسية العارمة وتكاثر الجماعات الفئوية والطائفية والعنصرية كما نرى في ساحتنا السياسية، حيث إن الهيئات المُشهرة تقوم بعملية تنظيم المجتمع، أي عامة الناس، بحسب مصالحهم وحاجاتهم ومطالبهم لا بحسب أعراقهم وطوائفهم وهوياتهم الفرعية، كما أنها توفر عناصر قيادية مثقفة ومدرّبة ومحترفة سياسياً، وتجعل الصراع السياسي، الذي لا مفر منه البتة في المجتمعات البشرية كافة، صراعاً صحياً يستهدف تقدم المجتمع لأن نتيجته تعكس الإرادة العامة للشعب.

وكأي تجارب إنسانية فإن التنظيمات السياسية بأشكالها كافة تحتمل النجاح والفشل، إذ إن هناك أحزاباً سياسية تفقد ثقة الناس فتفشل شعبياً، بل إن بعضها ينتهي تنظيمياً ويختفي من الساحة السياسية إلى الأبد، ولكن التجارب القليلة الفاشلة لا يُقاس عليها، لا سيما في دول غير ديمقراطية، ومن ضمنها معظم الدول العربية التي تغيب فيها الحريات والتعددية وتداول السُلطة التنفيذية، وفصل السُلطات حيث تحتكر مجموعة قليلة السُلطة والثروة باسم الحزب الحاكم، فلو ألقينا نظرة سريعة على خريطة العالم لوجدنا أن الدول الناجحة والمتقدمة كافة يقودها عن طريق الانتخابات العامة إما حزب أو ائتلاف سياسي مكوّن من أكثر من حزب.