"جيلنا" قرأ الكثير عن جوزيف ستالين، وبعضنا أعجب به، وأنا أحد هؤلاء، فهذا الجيل جيل مرحلة كان شعارها وربما لا يزال "إنما العاجز من لا يستبد"، ولعل ما يجب أن يقال بعد إطلالة على الماضي أن هذا الذي كان يوصف بأنه دكتاتور كان هو من بنى الحزب الشيوعي في بلاده، وكان صاحب ثورة أكتوبر العظيمة حقاً، وكان بطل الحرب العالمية الثانية، كما كان هذا الجورجي، الذي صوره الإعلام الغربي، الإعلام الصهيوني تحديداً، بأنه مجرد قاتل وزعيم عصابة، إنساناً مرهفاً ومثقفاً ومنظماً من طراز رفيع، وقاهر أدولف هتلر، وبطل معركة ستالين غراد، وفاتح برلين النازية.

لم يقل الإعلام، الذي كان يضع فوق عينيه "جلدتين"، كالجلدة التي كان يضعها موشيه دايان فوق عينه، إن جوزيف ستالين هذا لم يكن مؤيداً للصهيونية، لا بل إنه مضاد لها ويكرهها، وكان في البدايات قبل قيام دولة إسرائيل من المؤيدين والساعين إلى "السلام" بين العرب واليهود في فلسطين، أي إنه كان ضد قيام دولة "إسرائيلية" في هذا الجزء من الوطن العربي، ولعل هذا هو الذي دفع الأطباء اليهود إلى دس السم له عام 1947، وحيث كان الإعلام السوفياتي كشف النقاب لاحقاً، يناير 1948، عما اعتبره مؤامرة لتدمير القيادة السوفياتية، كانت قد طالت عدداً من القادة السوفيات، بينهم الكاتب الشهير ألكسندر ستشير باكوف، كان منفذوها من "المعتنقين" للصهيونية.

Ad

كان ستالين بعد تعرضه لمحاولة اغتيال بالسم من قبل أطباء يهود مؤيدين للقومية اليهودية، أي الحركة الصهيونية، قد اتهم هؤلاء بالتجسس على الاتحاد السوفياتي لحساب الاستخبارات الأميركية، وقام بحملة لتصفية العديد منهم، وإغلاق مؤسساتهم ومدارسهم التي تدرس باللغة العبرية، والإعلان في اجتماع للمكتب السياسي للحزب الشيوعي أن كل قومي يهودي "صهيوني" هو جاسوس للأميركيين، وأن إنشاء دولة يهودية قومية "صهيونية" في الشرق الأوسط سيعني زرع بؤرة حرب دائمة هناك.

والغريب هنا أنه حتى الشيوعيين، وكانت أكبر أحزابهم في أوروبا الغربية "الرأسمالية" في إيطاليا أولاً، التي لمع فيها في تلك الفترة الكاتب الشيوعي العظيم أنطونيو غرامشي، صديق صديقي الشهيد وائل زعيتر، رحمه الله، وفي فرنسا لاحقاً، قد انساقت مع حملات تشويه ستالين التي قادها بعده نيكيتا خروشوف، وأغلب الظن لا بل المؤكد أن الحركة الصهيونية، ومعها الأجهزة الغربية الاستخبارية، هي التي قامت بتلك الحملات التي لا يزال تأثيرها مستمراً رغم مرور كل هذه الفترة الطويلة، ورغم انهيار الاتحاد السوفياتي الذي لا تزال أسباب انهياره غامضة حتى الآن، ومع الإشارة إلى أن هذا الانهيار قد بدأ عملياً مع ميخائيل غورباتشوف صاحب الـ "غلاسنوست" والـ "بيريسترويكا".

ما يهمنا بالدرجة الأولى في هذا المجال هو أن نبوءة ستالين هذه، التي كشف النقاب عنها خلال اجتماع للمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي في الأول من ديسمبر 1952، كانت "ان إنشاء دولة يهودية قومية صهيونية في الشرق الأوسط سيعني زرع بؤرة حرب دائمة هناك"... وهكذا فإن المفترض أن تجربة سبعين عاماً قد أكدت لنا ولغيرنا كم أن هذه "النبوءة" كانت صحيحة وصادقة، واستشرافاً للمستقبل الذي عندما ننظر في اتجاهه على أساس واقع الحال لا نرى إلا تواصل هذه الحرب التي من الواضح أنها ستبقى مستمرة وبلا نهاية ما دام شعار قادة الحركة الصهيونية هو "من الفرات إلى النيل".