الوجود الروسي في الشرق الأوسط ليس جديداً، إذ أكّد كل من روسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي مصالحهما في المنطقة واستخدماها ساحةً للتنافس مع الغرب.

صحيح أن روسيا في عهد يلتسن في تسعينيات القرن الماضي تراجعت قليلاً في المنطقة، ولكن عندما تولى بوتين رسمياً سدة الرئاسة في عام 2000، سعى إلى استعادة صورة موسكو كقوة عظمى ضمن إطار حركة مناهضة للغرب فيها الخاسر والرابح. ومن خلال إطار العمل هذا، هدف منذ البداية إلى إعادة بلده إلى الشرق الأوسط. وشكّلت سورية جزءاً بالغ الأهمية من هذه الأحجية. لفلاديمير بوتين أهداف ومصالح عدة في سورية، إلا أن مصدر قلقه الأبرز ظل دوماً استمرار نظامه. تكشف مراجعة سريعة للوثائق الرسمية المهمة في روسيا خلال عهده أن الكرملين نظر إلى الغرب نظرة مليئة بالعدائية وانعدام الثقة منذ البداية. على سبيل المثال، سلّط «مفهوم موسكو للسياسة الخارجية» في يناير 2000، الذي سعى من بين أهداف عدة إلى إعادة روسيا إلى الشرق الأوسط، الضوء على «محاولات لإنشاء بنية علاقات دولية استناداً إلى الهيمنة التي بنتها الدول الغربية في المجتمع الدولي تحت القيادة الأميركية»، مؤكداً في الوقت عينه أن توسّع حلف شمال الأطلسي (الناتو) يشكّل أحد المخاطر الكبرى التي تواجهها روسيا.

Ad

تنبع هذه الأفكار المناهضة للغرب من رؤية «العالم المتعدد الأقطاب» التي روّج لها المستعرب الماهر ورئيس الوزراء السابق يفغيني بريماكوف، فهو اعتقد أن من الضروري ألا تسمح موسكو لواشنطن بالسيطرة على أية منطقة، لا سيما الشرق الأوسط. وما زال نمط التفكير هذا يوجّه الكرملين إلى يومنا.

لا تستطيع روسيا مواجهة الغرب مباشرةً، بما أنها تحتاج إليه لتستمر. بدلاً من ذلك، تسعى موسكو إلى تقويض النظام العالمي الغربي ببطء من خلال التقرّب من نخبه وإفسادها.

وسم نوفمبر عام 2003 بداية {الثورات الملوّنة}، وهي انتفاضات مسالمة قامت ضد الأنظمة الفاسدة واجتاحت مناطق الاتحاد السوفياتي السابقة بدءاً من الثورة الوردية في جورجيا وصولاً إلى الثورة البرتقالية في أوكرانيا في أواخر عام 2004 وبداية 2005. وبلغ هذا التغيير الشرق الأوسط أيضاً: شهد لبنان ثورة الأرز بين شهرَي فبراير وأبريل عام 2005.

رأى بوتين يد واشنطن وراء هذه الحوادث. يعتبر الرئيس الروسي أن الثروة وجه الاختلاف الوحيد بينه وبين الغرب. وعندما بدأت الانتفاضات العربية في ديسمبر 2010، نظر إليها الكرملين من المنظار عينه كما الثورات الملوّنة. وبحلول تلك المرحلة، كان بوتين أصبح أكثر عدائية. لذلك وصفت وسائل الإعلام التابعة للكرملين هذه الانتفاضات بـ{الفوضى}. وبالنسبة إلى الشعب الروسي، تشكّل اضطرابات تسعينيات القرن الماضي عقب انهيار الاتحاد السوفياتي مرادفاً للفوضى. نتيجة لذلك، لقيت هذه الرسالة أصداء واسعة بين الروس، ما دعم بطريقة غير مباشرة مفهوم {الفوضى ضد النظام} الذي عمل بوتين على تأسيسه منذ استلامه زمام السلطة.

بعد الحملة التي قادتها الأمم المتحدة في أكتوبر 2011، لقي معمر القذافي نهايته المروعة عندما عثرت عليه قوات المجلس الوطني الانتقالي المدعومة من الغرب مختبئاً في نفق في سرت. رأى بوتين، الذي كان آنذاك رئيس وزراء، في هذه الحوادث ثورة ملوّنة دعمتها الأمم المتحدة وقادتها الولايات المتحدة لتطيح بقائد مستبد آخر. عمت روسيا بعد ذلك أكبر موجة تظاهرات مناهضة للحكومة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، فحمّل بوتين وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون مسؤولية {إعطاء الإشارة} لنزول المتظاهرين إلى الشارع. ومع طريقة تفكير مماثلة، لا عجب في أنه دعم الأسد عندما اندلعت التظاهرات في دمشق في مارس 2011. لم يشأ التخلي عن الحاكم السوري المستبد، بما أن حماية الأسد عنت حمايته نفسه.

يمثّل بوتين، الذي لم يستطع مطلقاً تخطي أصوله في الاستخبارات السوفياتية (KGB)، التكرار الأخير لتاريخ روسيا. استهدف غزواه الأخيران قبل سورية (جورجيا وأوكرانيا) بلدين يزدادان تقرّباً من الغرب ويملكان موانئ على المياه الدافئة. وفي الحالتين، مهّد للغزو من خلال خطوات صغيرة لم ينجح المحللون الغربيون في إدراك أنها استعدادات للحرب. تُدعى هذه المقاربة {ماسكيروفكا}، وهو مصطلح خاص بروسيا يشير إلى الخداع العسكري.

علاقة مميزة مع دمشق

أدّت سورية دوراً بالغ الأهمية في مكانة الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة. كان حافظ الأسد، والد بشار، حليف موسكو الأقرب في العالم العربي منذ خروج مصر من المدار السوفياتي نحو منتصف سبعينيات القرن الماضي. كذلك أقامت موسكو روابط عسكرية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية مع دمشق. أما على الصعيد الشخصي، فشعر السوريون برابط قوي مع الروس، الذين لم ينظروا إليهم بتعالٍ كما نظروا إلى الأمم الأخرى في المنطقة.

بعد الحرب الباردة، احتفظت موسكو بمنشأة بحرية في طرطوس بسورية، علماً بأن هذه قاعدتها الوحيدة خارج مناطق الاتحاد السوفياتي السابقة والموقع الوحيد الذي تملك فيه وجوداً مستمراً على البحر الأبيض المتوسط. وصل بوتين وبشار الأسد إلى سدة الرئاسة في عام 2000، وعملا منذ البداية على تحسين الروابط بينهما. أما الأسد من جهته، فيكن إعجاباً كبيراً للجهود التي يبذلها بوتين بغية الحد من نفوذ الغرب وتأسيس عالم {متعدد الأقطاب}.

ازدادت تجارة الأسلحة بين البلدَين وتيرةً بسرعة. وشهدت علاقاتهما الثنائية تقدماً بالغ الأهمية في يناير 2005 عندما أعلن الكرملين إلغاء دين سورية لموسكو منذ عهد الاتحاد السوفياتي البالغ 13.4 مليار دولار وبيع الأسلحة لدمشق. في المقابل، منح الأسد روسيا الإذن بتطوير منشأتيها البحريتين في طرطوس واللاذقية. وبين عامَي 2007 و2011، اشترت دمشق 78% من أسلحتها من روسيا في زيادة بلغت ستة أضعاف مقارنةً بالسنوات الخمس الماضية.

في عام 2013، عززت موسكو بشكل واضح وجودها في سورية. عندما استعمل الأسد في أغسطس 2013 الأسلحة الكيماوية في الغوطة، قاتلاً أكثر من 1400 مدني، 400 منهم أولاد، انتهك «الخط الأحمر» الذي رسمه أوباما للتدخل عسكرياً. لكن بوتين حاول استباق الرد الأميركي بإرساله طراداً صاروخياً من نوع موسكفا، ومدمرة من أسطول البلطيق، وفرقاطة من أسطول البحر الأسود إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.

لا شك في أنه سياسي عملي بامتياز. لم يشأ بالتأكيد خوض مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة. ولم تهدف هذه الخطوات إلى المواجهة، بل إلى تأجيج الخوف من مواجهة مماثلة وتعزيز مفهوم العجز عن توقع تصرفات بوتين.

عندما كان النظام السوري يخسر الأراضي في يوليو 2015، زار قائد قوات النخبة الإيرانية {فيلق القدس} قاسم سليماني موسكو لمناقشة مسألة سورية، فشكّلت هذه على الأرجح أول خطوة نحو التدخل الروسي، الذي جاء بعد شهرين.

عندما تدخل بوتين، أظهرت أعماله بوضوح أنه أراد إرغام الغرب على الاختيار بين داعش والأسد في سورية. لم تستهدف الغالبية العظمى من الضربات الجوية الروسية تنظيم داعش، لا بل عززت مواقعه أحياناً. في الوقت عينه، رسّخ بوتين الوجود العسكري الروسي في سورية بتأسيسه قاعدة حميميم الجوية، التي تحوّلت إلى منصة انطلاق رئيسة لعمليات القوات الجوية الروسية. كذلك أدّت السفن الروسية في طرطوس دوراً كبيراً في دعم حملات القصف الجوي التي قادتها موسكو.

في مارس 2016، أعلن بوتين أن روسيا أنهت مهمتها في سورية وأنها ستسحب {الجزء الرئيس} من قواتها المسلحة، إلا أن هذه الخطوة شكّلت عملية خداع أخرى. فما انفك الوجود الروسي ينمو. وهكذا تحولت حميميم إلى قاعدة دائمة في أكتوبر 2016، في حين أطالت موسكو في يناير من العام الجاري استئجارها منشأة طرطوس لأربع وتسعين سنة من دون أية كلفة. كذلك عقدت روسيا محادثات سلام خاصة بها في العاصمة الكازاخستانية أستانة بغية إضعاف محادثات السلام في جنيف.

في 4 أبريل 2017، أطلق الأسد اعتداءه الكيماوي الأكبر منذ هجوم الغوطة في خان شيخون بإدلب. وللمرة الأولى، ردت واشنطن بقيادة ترامب بضربة مستهدفة ضد الأسد، وجّهت الرسالة المناسبة. ولكن كان من الضروري الاستمرار بها. بدلاً من ذلك، اتضح أنها كانت عملاً منفرداً. وعندما أدرك بوتين هذا الواقع، استلم مجدداً زمام المبادرة وأسهم في قيادة الجهود للتوصل إلى وقف جزئي لإطلاق النار في جنوب غرب سورية. وبعد لقاء بوتين وترامب في هامبورغ، بلغ هذا التعاون ذروته مع وقف دائم لإطلاق النار وتأسيس ما عُرف بمناطق التهدئة بقيادة روسيا، وتركيا، وإيران. أقلق هذا الاتفاق إسرائيل لأنه لم يفرض على إيران والميليشيات التابعة لها تفادي مرتفعات الجولان، وبالكاد أقر بدور طهران في سورية. وهكذا حصل بوتين على مبتغاه: التعاون وفق شروطه الخاصة.

دفع تأييد بوتين الأسد الغرب إلى القبول بشروط موسكو في سورية. كذلك أتاح لروسيا استغلال تدفق اللاجئين الضخم إلى أوروبا بتقويتها أحزاب اليمين واليسار المتطرفة التي دعمها بوتين سنوات عدة بهدف زعزعة استقرار أوروبا. وما دام الأسد أو حاكم مثله يتربع على عرش السلطة في دمشق، فلن يعود معظم اللاجئين السوريين.

بالإضافة إلى ذلك، حقق بوتين انتصاراً جزئياً في سعيه إلى ردع واشنطن في الشرق الأوسط، فصار على الجيش الأميركي اليوم أن يأخذ روسيا في الاعتبار عندما يخطط لأي عمل.

صحيح أن بوتين يسعى إلى إقامة علاقات مع الأطراف كافة في الشرق الأوسط، إلا أن أعماله في سورية تبرهن ميله الواضح إلى الشيعة. يشهد التعاون الروسي- الإيراني تسارعاً كبيراً منذ سنوات، إلا أن سورية رفعته إلى مستويات غير مسبوقة. في أغسطس 2016، سمحت طهران لموسكو باستخدام قاعدتها في همدان، علماً بأنها لم تتِح منذ الحرب العالمية الثانية لأية دولة أجنبية باتخاذ قواعد لها في إيران. ورغم غضبها من ترويج موسكو إعلامياً لاستخدامها هذه القاعدة، فإنها أكدت أنها قد تسمح لروسيا باستعمال المزيد من قواعدها الجوية في المستقبل.

لا ينفك التعاون الروسي- الإيراني ينمو، ويؤدي إلى تداعيات واسعة على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

دعم اقتصادي

لروسيا تاريخ طويل حافل بالسلوك العدائي في الشؤون العالمية في أوقات تعاني فيها توتراً داخلياً. قبل ضم القرم، كان الاقتصاد الروسي يتراجع منذ سنوات، وانخفضت شعبية بوتين إلى معدلها الأدنى، ولكنها بعد القرم ارتفعت إلى ذروة غير مسبوقة. على غرار أوكرانيا، شكّلت سورية وسيلة إلهاء: كانت مخدّراً مؤقتاً أتاح للشعب الروسي نسيان مشاكله، وتحويل اللوم بعيداً عن حكومته، والانغماس في المشاعر الوطنية.

من الممكن في روسيا رسم الشعبية والتخطيط لها إلى حد كبير. لذلك يطلب بوتين باستمرار من معدي استطلاعات الرأي إجراء عمليات المسح. ولا بد من الإقرار بأن شعبيته ارتفعت وإن لم تبلغ المعدلات التي تشير إليها استطلاعات الرأي الرسمية. لكن مشاعر الابتهاج هذه لا تدوم، وسيحتاج بوتين إلى مغامرات جديدة. لذلك من المستبعد أن تشكّل سورية مناورته الأخيرة.

مالياً، ما زلنا نجهل الكلفة الفعلية لحملة روسيا في سورية، إلا أنها على الأرجح أعلى مما تشير إليه الأرقام الرسمية. ولكن لا يبدو أن هذا التدخل أفرغ خزائن الدولة. تبيّن أعلى التقديرات التي يقدمها الحزب الليبرالي الروسي {يابلوكو} أن التدخل السوري كلّف البلد نحو 2.5 مليار دولار بين سبتمبر 2015 ويوليو 2017. لكن هذا الرقم يُعتبر متواضعاً مقارنةً بميزانية روسيا الدفاعية السنوية التي بلغت 69 مليار دولار عام 2016، مع زيادة بنسبة 6% عن ميزانية عام 2015.

علاوة على ذلك، استخدم بوتين سورية ساحةً للتدريب العسكري وموقعاً للترويج للأسلحة الروسية. وحقق النجاح في مسعاه هذا. يذكر نائب وزير الدفاع يوري بوريسوف: {لا يمكننا المبالغة في تقدير أهمية فرصة اختبار الأسلحة في المعارك الفعلية. وبدأ العملاء بالتهافت على الأسلحة التي برهنت فاعليتها في سورية}.

بالإضافة إلى ذلك، قادت قوات الأسد في الأسبوع الأول من سبتمبر 2017 هجوماً ناجحاً ضد داعش في دير الزور، التي تُعتبر مركز إنتاج النفط السوري. وهكذا حققت التقدم على القوات التي تدعمها الولايات المتحدة ويقودها الأكراد في المنطقة. سارع بوتين إلى تهنئة الرئيس السوري. ولا شك في أن وجود موسكو في هذا البلد سيسمح لها بالمشاركة في عملية إعادة بناء بنية سورية التحتية في مجال الطاقة وتشغيلها. صحيح أن موارد الطاقة هذه محدودة، غير أنها كبيرة كفاية لتجعل هذا البلد معتمداً على الطاقة في المقام الأول. كذلك تعود على موسكو بفوائد إستراتيجية واقتصادية، بما أن سيطرتها على قطاع الطاقة سيرسّخ دورها كـ{حليف الأسد الذي لا غنى عنه}. وسيبرر هذا الموقع بدوره استمرار الوجود العسكري الروسي في سورية، بما أنه ضروري لحماية مصالح موسكو الاقتصادية.

يبقى الهدف الوحيد الذي أمل بوتين بإنجازه من خلال تدخله في سورية إلا أنه أخفق في رفع العقوبات التي فُرضت على روسيا جراء اعتدائها على أوكرانيا. لكن مكاسبه تظل عموماً أكبر بكثير من خسائره.

الخطر الإرهابي؟

برّر بوتين مراراً تدخله في سورية بضرورة ضرب الإرهابيين، خصوصاً تنظيم داعش، كي لا يعود المجاهدون إلى روسيا. من المؤكد أن روسيا تتخبط مع التطرف الإسلامي، وأن تنفيذ اعتداء لا يحتاج إلا إلى عدد قليل من الإرهابيين العائدين. كذلك يشكّل انضمام مواطنين روس إلى داعش مصدر قلق. ما زال عدد هؤلاء الروس مثار جدل، إلا أنه كبير كفاية لتحتل الروسية المرتبة الثالثة بين اللغات التي يستعملها داعش لنشر دعايته.

ولكن تُعتبر موسكو نفسها مسؤولة عن بروز التطرف الإسلامي المحلي، وتواصل تشجيعه على نطاق دولي. بدأت مشاكل روسيا الراهنة في شمال القوقاز مع نضال الشيشان العلماني في سبيل الاستقلال في تسعينيات القرن الماضي. إلا أن هذا البلد اكتسب طابعاً إسلامياً متنامياً بسبب سياسات روسيا المسيئة واستعدادها للتعاون مع عناصر من المعارضة أكثر تطرفاً. فرمضان قديروف، الرجل الذي عينته موسكو في أبريل 2007 لتهدئة الشيشان، كان نفسه مجاهداً سابقاً أشرف على اتخاذ هذه الجمهورية منحى إسلامياً متطرفاً.

علاوة على ذلك، لم يبدأ هؤلاء القوقازيون الشماليون، الذين ذهبوا إلى سورية والعراق، باعتبار أنفسهم جزءاً من جهاد عالمي إلا في أواخر عام 2013. قبل تلك النقطة، أرادوا محاربة الحكومة الروسية فحسب. كتب السياسي الليبرالي الروسي إيليا ياشين في تقرير صدر في فبراير 2016: {لا يستطيع أي سياسي أو حكومة اليوم ضمان أن الدولة الإسلامية التي أنشأها قديروف في الشيشان لن تتحول بمرور الوقت إلى دولة شبيهة بخلافة داعش}.

يعتقد كثيرون، خصوصاً في الشرق الأوسط، أن روسيا موالية للعلمانية رغم مساوئها كافة. وتُعتبر روابطها بإيران حالة استثنائية ولا تُصنّف عميقة في مطلق الأحوال. لكن هذه النظرة غير دقيقة. تكمن المفارقة في أن موسكو مستعدة للعمل مع أية مجموعة قادرة على تحقيق هدف الكرملين الأكبر، سواء كانت {حزب الله} أو {حماس}.

لو كانت أولوية موسكو استهداف الإرهاب، لركّزت حملتها في سورية على داعش بدل حماية الأسد. لكن دعم بوتين الأسد، الرجل الذي دفع حركة الاحتجاج في سورية إلى اكتساب طابع متطرف، يُظهر أن موسكو مستعدة لتأييد أي لاعب قد يسهّل بروز التطرف إذا كان هذا يخدم أهدافها. في أكتوبر 2017، استخدمت موسكو حق النقض (فيتو) لتعرقل قرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة الذي يطيل تفويض فريق الأمم المتحدة المكلّف بالتحقيق في هوية المسؤول عن اعتداء أبريل 2017 الكيماوي في خان شيخون قبل أيام من إصدار هذا الفريق رسمياً تقريره الذي اعتبر فيه الحكومة السورية منفذ الاعتداء. كذلك قدّم بوتين نفسه للغرب بصفته شريكاً في محاربة الإرهاب في أعقاب هجمات 11 سبتمبر عام 2001، كذلك صوّر الأسد نفسه بادئ الأمر بصفته القائد العلماني الذي يحارب التطرف السني. لكن نظامه حمى الأقلية العلوية على حساب السوريين الآخرين ولم يتردد في تشجيع التطرف. ولم يكتفِ الأسد أيضاً بحقن التطرف في حركة الاحتجاج التي انفجرت في وجهه في ربيع 2011، بل سمح في وقت سابق خلال الحرب العراقية عام 2003 للمقاتلين المتطرفين السنة في المنطقة بالعبور إلى العراق عبر سورية. وعندما دعم الأسد حركة التمرد المناهضة للولايات المتحدة، أشاح بوتين بنظره.

الخلاصة

من الخطر التقليل من شأن بوتين أو المبالغة في تقييمه. كان الرئيس الروسي يملك من البداية خططاً للشرق الأوسط، وخصوصاً سورية، وسعى بإصرار إلى تطبيقها. وخلال ذلك، تجاهل الغرب النفوذ الروسي، معتبراً إياه غير ذي أهمية، وتردد، وأخفق في صوغ رؤية واضحة خاصة به. في المقابل، سارع بوتين إلى التكيّف مع الوقائع المتبدلة.

ولكن رغم التزامه القوي بتقويض الغرب، ما كان بوتين لينجح في ترسيخ روسيا في سورية بهذا القدر لو أن واشنطن أخذت المبادرة واستخدمت القوة ضد الأسد. اختبر بوتين الماء وغاص فيه عندما شعر بأنه يستطيع النجاح. وتشكّل مغامرته السورية شهادة على فشل الغرب المتواصل في فهم روسيا، بلد تتخطى مشاكله بوتين أو أي شخص آخر. وعلى غرار الاتحاد السوفياتي سابقاً، استغل بوتين الغموض الغربي في الشرق الأوسط، فيما كان صانعو السياسات الغربيون يحاولون تخمين غاية الكرملين النهائية.

عندما أُعد هذا التقرير، كان بوتين حقق معظم أهدافه في سورية: يتمتع الأسد بموقف قوي في المفاوضات، ويُرغَم خصومه التقليديون على تقبّل نظرة موسكو أكثر فأكثر، وصار وجود روسيا ونفوذها في سورية أكيدين. بينما يعدّ بوتين العدة لانتخابات رئاسية جديدة في مارس 2018، ستضمن بالتأكيد بقاءه في سدة الرئاسة ست سنوات إضافية، ولا تشكّل سورية عقبة في طريقه. على العكس، يستطيع التفاخر بقدرته على صنع السلام والتعاون مع الغرب وهو يهزأ به. علاوة على ذلك، لا نرى أية إشارة إلى تراجع تعاون موسكو مع طهران. ولا شك في أن هذه العلاقة ستؤدي إلى تداعيات كبيرة على سياسة الولايات المتحدة الإقليمية.

الصراع السوري معقد إلى أبعد الحدود، وما زالت خواتمه بعيدة جداً. ومع توسّع روسيا في الشرق الأوسط، سيعتبر الكرملين هذه المنطقة ضمن مدى نفوذه. ومن المؤكد أن الصراع المجمّد في سورية سيخدم أهداف موسكو.

لكن مستقبل روسيا بحد ذاته غير أكيد. صحيح أن وضعها الاقتصادي ثابت، إلا أنها تعاني الركود، فضلاً عن أن استياء الروس بدأ يتفاقم ونشهد فيها تظاهرات كبرى. ربما يتفكك هذا البلد تدريجياً، غير أنه ما زال يحتفظ بعدد من مواضع القوة ويتخذ طابعاً عسكرياً متنامياً.

من الضروري أن يدرك صانعو السياسات الغربيون أن الكرملين لن يكون وسيطاً صادقاً في سورية. لذلك عليهم أن يعملوا على إعادة بناء القيادة الغربية بدل السماح لموسكو بالقيادة. فإعادة إحياء تدخل الغرب والتزامه تشكّل الطريقة الوحيدة لمنع تغلغل موسكو في المنطقة وما يترتب على ذلك من تأثير سلبي.

الكرملين ملتزم بلعبة طويلة الأمد، ويجب أن يكون الغرب كذلك أيضاً.

* آنا بورشتشيفسكايا