لو كانت إسهامات الراحل الكبير يعقوب الحميضي اقتصرت فقط على دوره الفاعل في صدور الدستور لكان ذلك كافياً لتخلده الكويت، ومع ذلك فمساهماته كثيرة ومتنوعة.

بعد أن اتخذت دولة الكويت المستقلة في 19 يونيو 1961 قراراً استراتيجياً بإصدار دستور ينظم الحياة السياسية على مبادئ ديمقراطية. وتأكيداً على ذلك تم اختيار انتخاب هيئة تأسيسية لتضطلع بتلك المهمة أطلق عليها اسم المجلس التأسيسي، فلم يكن دستور منحة. انتخب المجلس التأسيسي لجنة خماسية لتكون المطبخ الحقيقي للدستور الذي نعرفه الآن. تشكلت اللجنة برئاسة عبداللطيف ثنيان رئيس المجلس، والشيخ سعد العبدالله وزير الداخلية، ووزير العدل حمود الزيد الخالد، وسعود العبدالرزاق ويعقوب الحميضي، كما استعانت بالخبير القانوني محسن عبدالحافظ، والخبير الدستوري د. عثمان خليل عثمان، رحمهم الله جميعاً. وقد تم في البداية اختيار يعقوب الحميضي أميناً لسر اللجنة، وأوكلت مهمة سكرتاريتها لعلي الرضوان، أطال الله في عمره.

Ad

عقدت اللجنة 23 اجتماعاً، بدءاً من 17 مارس 1962 وانتهاء في 27 أكتوبر من العام نفسه، وأنجزت مهمتها في أقل من المدة المقررة، وقدمت تقريرها النهائي للمجلس التأسيسي، الذي ناقشه وتم التصويت عليه، ثم تم تقديمه لأمير البلاد الذي اعتمده وأصدره في 11 نوفمبر 1962 .

لعب يعقوب الحميضي دوراً بارزاً في النقاشات التي أبرزتها محاضر لجنة الدستور. وكانت للملاحظات والاعتراضات التي أسهم بها الحميضي مع بقية أعضاء اللجنة فعلها الفاعل في تعديل الكثير من المسارات التي جعلت من الدستور وثيقة واعدة، رغم عدم اكتمالها. كانت إحدى أبرز النقاط التي أصر الحميضي عليها هي دور الوزراء المعينين وتصويتهم داخل المجلس، سواء على القوانين أو على طرح الثقة. ظل حتى النهاية رافضاً اعتبارهم أعضاء في المجلس وتصويتهم. وعندما احتدم النقاش بينه وبين الشيخ سعد، الذي كان يريد أن يكون عدد الوزراء مفتوحاً، دار بينهما الحوار التالي، بعد أن وافق أغلبية أعضاء اللجنة على تخفيض الوزراء إلى ١٥ على عكس ما أراده الشيخ سعد.

الحميضي: يجب ألا يفقد الدستور ميزة التوازن هذه، فتطغى السلطة التنفيذية على التشريعية.

الشيخ سعد: لو حدثت ظروف استثنائية واحتجنا لزيادة الوزراء إلى أكثر من 15 هل نعدل الدستور؟

الحميضي: نعم نعدل الدستور إذا اعترضتنا مسائل مهمة مثل هذه، فقضية التوازن بين السلطتين هي أخطر ما في الدستور. فليس مهماً أن يخرج دستورنا بأي شكل كان، المهم أن نأتي بدستور يمثل الأماني التي يتطلع إليها هذا الشعب.

وفي مواقع أخرى كان يكرر رؤية مبدئية فيقول: يجب أن نحتاط للمستقبل، ولا ننظر لأوضاعنا الحالية التي يسودها التفاهم بين الأمير والشعب، فوضعنا ليس مقياساً والأمور تتغير، ويؤكد، العدل أساس الملك، ونحن بهذا الدستور يجب أن نوطد العدل، وإذا ظلم شخص فيجب أن يرفع عنه الظلم، ولا نقول ليس الآن وقته أن يأخذ حقه، هل الحق والظلم له وقت؟ هذا لا يجوز... ويتساءل: ما الحل إذا سحبت الجنسية من كويتي بالمولد وهو موجود بالكويت؟ أين سترمي هذا المواطن؟ وأي دولة ستقبله إذا لم يقبله بلده؟

بطبيعة الحال مرت البلاد منذ تطبيق الدستور بانتكاسات حادة تتحمل الحكومة والسلطة التنفيذية أغلب نتائجها، لكننا في هذه اللحظة، وبهذه العجالة، ومع رحيل رجل بمكانة وقدر وإخلاص يعقوب الحميضي، في دوره المحوري في كتابة الدستور، لا نملك إلا أن نتذكره، وإن كنا لا نوفيه حقه، بما قام به تجاه وطنه بالتزام وإدراك ومبدأ، فنسأل الله له الرحمة ولأهله ومحبيه الصبر والسلوان.