القرار الأميركي الذي وقعه الرئيس "دونالد ترامب" والخاص باعتبار مدينة القدس المُحتلّة عاصمة للكيان الصهيوني، ونقل سفارة أميركا من "تل أبيب" إليها، هو قرار استفزازي لمشاعر العرب والمسلمين حول العالم، وينتهك المواثيق الدولية بشكل صارخ، ولكنه ينسجم مع ما يُمثله الكيان الصهيوني للمشروع الاستراتيجي لقوى الرأسمالية الاحتكارية المعولمة، والذي يستهدف السيطرة التامة على منطقة "الشرق الأوسط"، من أجل نهب ثرواتها، ثم استخدامها كنقطة ارتكاز لحماية المصالح والنفوذ الأميركي في قارتي آسيا وإفريقيا، والحد من القوة المتنامية للصين والدول المجاورة.

ومع ضرورة احترام إرادة الشعب الفلسطيني المُتمسك بأرضه ووطنه فهو وحده الذي له الحق في تقرير مصيره، فإن التضامن المُستحق معه ينبغي أن يأخذ في الاعتبار مسألتين مهمتين:

Ad

الأولى، هي وجوب التعامل مع القرار باعتباره قراراً استراتيجياً اتخذته الدولة الأميركية لا قرارا اتخذه "ترامب" وحده. الحديث عن القرار من خلال ربطه بطبيعة شخصية "ترامب" المُتقلبة و"شطحاته" اللتين يصورهما الإعلام أحياناً كثيرة بشكل "كاريكاتيري"، أو تعصبه الديني، يعطي انطباعاً غير صحيح للرأي العام بعدم مسؤولية المؤسسات الرسمية الأميركية، ناهيك عن أنه تسطيح للوعي، وتبسيط مُخلّ لطريقة اتخاذ القرارات في المؤسسات الدستورية الأميركية.

بمعنى آخر ينبغي اعتباره قرارا مؤسسيا يُعبّر عن موقف أميركا من الكيان الصهيوني المُحتّل، وهو، بالمناسبة، قرار قديم نسبياً حيث سبق أن وافق عليه الكونغرس أيام الرئيس الأسبق "بيل كلينتون"، ثم أُجّل التوقيع عليه إلى أن وقّعه "ترامب" قبل أيام لتوافر ظروف ذاتية موضوعية؛ أهمها نجاح اليمين العنصري المتطرف الذي يُمثّله "ترامب"، والوضع العربي الحالي البائس.

أما المسألة الثانية، فهي ضرورة الابتعاد عن الوقوع في فخ الصهاينة الذين يصورون الاحتلال بأنه صراع ديني، حيث يزعمون، زوراً وبهتاناً، أن أرض فلسطين هي حق ديني لهم، وذلك كي يصرفوا الأنظار عن الاحتلال الغاشم المُدان عالمياً، وعن فكرة الصهيوينة باعتبارها عقيدة سياسية تقوم على أسطورة دينية، وتخدم مشروع الإمبريالية.

لذا ينبغي إعلان التضامن الإنساني الواضح والصريح مع الشعب الفلسطيني بكل مكوناته الدينية والاجتماعية، والدفاع عن حقه في تحرير كامل أرضه المُحتلّة ومن ضمنها، بالطبع، مدينة القدس. بمعنى آخر فإن التضامن المطلوب ينبغي أن يكون على أساس إنساني مع شعب احتُلت أرضه، وتريد سلطات الاحتلال طرده منها، وليس تضامنا على أساس ديني، أي صراع مسلمين ضد اليهود، كما يصوره البعض، فهذا ما يريده ويفعله الصهاينة الذين يسعون جاهدين بمساعدة أميركا ودول أخرى إلى تشويه طبيعة الصراع من كونه صراعا سياسيا ومقاومة مشروعة ضد سُلطات احتلال إلى صراع ديني-ديني، ثم تسمية أعمال المقاومة المشروعة بالأعمال الإرهابية؛ مما يساهم في تهميش قضية الاحتلال في نظر شعوب العالم المتقدم، لأن معظمهم لا يتضامون مع القضايا ذات البعد الديني ويدينون العمليات الإرهابية.

الصراع في الأرض الفلسطينية المُحتلّة هو في حقيقته صراع سياسي ومقاومة شعبية ضد الاحتلال، لا صراع مع الديانة اليهودية التي يعتنقها، مثلما هو معروف، ملايين البشر حول العالم، يعلن بعضهم، مثلما نقرأ ونشاهد في وسائل الإعلام والقنوات الفضائية، رفضهم القاطع للصهيونية وإدانتهم للاحتلال، ودفاعهم عن حق الفلسطينيين المشروع في تحرير أرضهم.