يمضي الاقتصاد الروسي على مسار ثابت لتحقيق عام كامل من النمو، وقد شهد معدل التضخم تباطؤاً كما أن البنك المركزي الروسي عمل على تعويض احتياطياته من العملة الصعبة.

وخرجت روسيا أخيراً من حالة ركود صعب وقد يكون هذا التوقيت هو الأفضل بالنسبة إلى الرئيس فلاديمير بوتين الذي يسعى إلى خوض معركة إعادة انتخابه عما قريب.

Ad

وتشير التوقعات على نطاق واسع إلى فوز بوتين في الانتخابات التي سوف تجري في مارس المقبل، ولا توجد معارضة يعول عليها في ذلك البلد، كما أن بوتين يتمتع بتأثير على الوضع يتمثل في السخاء المالي ووسائل الإعلام الرسمية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الانتخابات توفر للرئيس الروسي فرصة لتشديد قبضته على الحكم حتى مع استمرار بلاده عرضة للضغط بسبب العقوبات المرتبطة بانتخابات أخرى – وهي الانتخابات الرئاسية التي جرت في الولايات المتحدة في سنة 2016. وتقول أجهزة الاستخبارات الأميركية إن موسكو تدخلت فيها من خلال حملة حواسيب اشتملت على قرصنة ومواقع مزيفة لحسابات على الشبكة العنكبونية.

ويهدف الزعيم الروسي إلى تحقيق نصر لافت يمنحه تفويضاً قوياً بعد أن انطوت الانتخابات التي جرت في سنة 2012 على اتهامات للقيادة الروسية بتزويرها والتلاعب في نتائجها، كما أن النمو الاقتصادي – على الرغم من كونه من النوع المتواضع – يسهم في ازالة واحدة من العقبات الرئيسية التي كان بوتين يواجهها في سعيه إلى الحصول على ستة أعوام من الحكم.

وقد أظهرت المناقشات، التي جرت أخيراً خلال اجتماع عقده الرئيس بوتين مع مسؤولي البنك المركزي الروسي، زيادة كبيرة في الطلب من قبل المستهلكين وهو العامل الرئيسي وراء النمو. وارتفعت مبيعات التجزئة خلال شهر نوفمبر الماضي بنسبة 3 في المئة مقارنة مع سنة خلت – وذلك بحسب وكالة الاحصاءات الرسمية للخدمات في موسكو. وتتوقع وزارة المالية الروسية أن ينمو الاقتصاد بصورة إجمالية بنسبة تصل إلى 2.1 في المئة لهذه السنة، وسوف يشكل هذا – إذا تحقق – أول نمو اقتصادي خلال سنة كاملة في روسيا منذ أن بدأ الركود في ذلك البلد في سنة 2014.

المؤشرات الاقتصادية الأخرى

المؤشرات الاقتصادية الأخرى كانت تسير في الاتجاه نفسه، ومن المتوقع أن يصل معدل التضخم إلى حوالي 4 في المئة خلال العام الحالي وهو مستوى منخفض بحسب المقاييس الروسية التي نشرت في الآونة الأخيرة. وقد أظهرت الأرقام الرسمية خلال الفترة التي تعود إلى وقت قريب لا يتجاوز سنة 2015 أن أسعار المستهلكين ارتفعت بأكثر من 15 في المئة وشعر المواطن الروسي العادي بوطأة ذلك الاتجاه، كما ارتفعت قيمة المواد الأساسية في روسيا حيث ارتفع سعر الخبز بنحو 11 في المئة في السنة خلال فترة الركود – بحسب أرقام وكالة الاحصاء الرسمية.

ولكن مع تعافي أسعار النفط – وهو مادة تصدير رئيسية في روسيا – والانتهاء من هبوط استمر عدة سنوات في عام 2014 استأنف البنك المركزي الروسي عمليات شراء العملة الصعبة. كما قام بتعويض الاحتياطات التي يستخدمها من أجل الحفاظ على استقرار الروبل في الأجل الطويل.

ويقول فلاديمير أوساكوفسكي وهو كبير الاقتصاديين الروس لدى بنك اوف أميركا ميريل لينش "يوجد دعم أساسي قوي" لهذا المسار.

مواجهة التحديات

تواجه روسيا بكل تأكيد مجموعة من التحديات – بحسب أوساكوفسكي والبعض من المحللين الآخرين، وعلى سبيل المثال تظل روسيا عرضة لتحولات وتغيرات في أسعار النفط والغاز الطبيعي. وتشكل هاتان المادتان حوالي 60 في المئة من عوائد التصدير، و50 في المئة من الضرائب الحكومية، وقد يشكل الهبوط المفاجئ في الأسعار أزمة أكثر اتساعاً بالنسبة إلى الاقتصاد المحلي.

ويتملك القلق الخبراء أيضاً من كون النظام المصرفي الروسي عرضة للتقلبات، وقد اضطر البنك المركزي في موسكو إلى تأميم مصرفين من الحجم المتوسط للاقراض الخاص في هذه السنة، كما فقدت عدة بنوك أموالاً في رهانها على الروبل في السنوات القليلة الماضية بسبب التغير الذي طرأ على سعر العملة، بحسب فلاديمير تيخوميروف وهو كبير الاقتصاديين لدى بنك الاستثمار بي سي اس غلوبال ماركتس.

وقال تيخوميروف: "حتى الآن تمكن البنك المركزي الروسي من جعل النظام المصرفي يستمر في العمل"، ولكنه أضاف أيضاً أن "تكلفة إنقاذ هذه البنوك تتزايد"، وعلى الرغم من ذلك تستمر الأنباء الإيجابية في التدفق.

في شهر سبتمبر الماضي، عدلت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تقديراتها للديون السيادية في روسيا من مستقرة إلى إيجابية، وطوال السنة توجه المستثمرون الأجانب نحو السندات الحكومية الروسية ما رفع حصة الديون الروسية التي يملكها الأجانب من 5 في المئة إلى أكثر من 30 في المئة.

وتمثل الشيء الآخر الذي ساعد على هذا التعافي في انفاق الحكومة على مشاريع البنية التحتية الكبرى بما في ذلك بناء جسر عبر مضيق كيرش في شبه جزيرة القرم وهو خط أنابيب للغاز إلى الصين يدعى "قوة سيبيريا" واستادات رياضية لمباريات كأس العالم التي سوف تستضيفها روسيا في العام المقبل.

تجاوز العقوبات الغربية

وساعد ذلك الجهد روسيا على تجاوز العقوبات الغربية التي فرضت خلال الأزمة الأوكرانية وحول مزاعم تدخل موسكو في الانتخابات الرئاسية الأميركية في سنة 2016. وكانت "العقوبات الذكية" تلك تستهدف بشكل ما الشركات ورجال الأعمال الذين تحالفوا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ولم يكن القصد منها التأثير على الدائرة الداخلية في الكرملين أو ابطاء الاقتصاد الإجمالي ولا التعجيل بحدوث تغيير سياسي في روسيا.

ويجد الرئيس بوتين نفسه الآن في بيئة اقتصادية مريحة بقدر أكبر قبل الانتخابات التي من المقرر أن تجري في العام المقبل، وعلى الرغم من تعرض الروس إلى ضربة مالية قاسية في السنوات القليلة الماضية شملت الدخل الحقيقي أو تعديل الأجور من أجل مواجهة التضخم التي هبطت طوال فترة الركود الاقتصادي فإن الرئيس بوتين يظل الشخصية المفضلة بقدر كبير. وفي دراسة أجريت في شهر أكتوبر الماضي من قبل مركز ليفادا المستقل لاستطلاع الآراء قال نحو ثلثي من شملهم الاستطلاع إنهم سوف يصوتون لصالح الرئيس بوتين.

ولكن على أي حال فإن تحقيق نمو بأكثر من 2 في المئة من قبل الحكومة الروسية لن يكون عملية سهلة.

ومن المحتمل تماماً أن تضطر روسيا على الموافقة على سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الرئيسية من أجل تعزيز إمكانات النمو في الأجل الطويل. وسن التقاعد الذي يبلغ الآن 55 سنة بالنسبة إلى النساء و60 سنة بالنسبة إلى الرجال يجب أن يرفع – بحسب رأي خبراء الاقتصاد.

ومن دون مثل هذه التغيرات فإن التوسع سوف يظل ضمن المستويات الحالية كما تقول رئيسة البنك المركزي الروسي الفيرا نابيولينا في تحذير من قبلها في الشهر الماضي، محذرة من أنه "من دون إجراء إصلاحات فإن مستقبل روسيا سوف يكون قاتماً تماماً".