يدخل المشهد السياسي الروسي حقبة جديدة، إذ لم يعلن المرشح الرسمي للانتخابات الرئاسية في شهر مارس عام 2018 نفسه بعد وهو غائب بشكل متزايد، في حين لا تدور النقاشات بين أعضاء النخبة الحاكمة حول المرحلة التالية من عهد بوتين، بل تركّز على شكل حقبة ما بعد بوتين.

تعود الحياة السياسية إلى روسيا، مَن كان يتوقع الخريف الماضي أن ينجح ألكسي نافالني، الذي يُعرف راهناً بقائد حملة محاربة الفساد، في إطلاق حملة انتخابية ضخمة قبل 15 شهراً من يوم الاقتراع؟ أنا شخصياً لم أتوقع ذلك، فقد اعتدنا فكرة ألا أحد يستطيع التأثير في الحملة الانتخابية الروسية، حتى إننا نسينا أن أحداً قد يحاول بكل بساطة خوض معركة انتخابية.

Ad

مع حلول نهاية عام 2017 بات من الممكن اليوم التحدث عن نظام يعمل من دون بوتين، يتكوّن لدينا اليوم انطباع متنامٍ عن أن "الرئيس غائب"، فإدارة روسيا، التي كان يضطلع بها الرئيس رسمياً، أُوكلت بالكامل تقريباً إلى المحيطين به والديوان الرئاسي، الذي ما عاد مجرد فريق من الموظفين العامين وتحوّل إلى لاعب لديه مصالحه الخاصة. بكلمات أخرى اكتشف الرئيس فجأةً أنه محاط بـ"أوصياء" يتمتعون بدرجات مختلفة من السلطة، وهكذا تطوّر روسيا نظاماً من الوصاية الجماعية.

كلما تقدمنا في الديوان الرئاسي فقدَ هذا الديوان شكل الإدارة وتحوّل إلى نظام القصر البحت، فيعتبر "بلاط جلالته الملكية" العصري اليوم كل ما لا يُدرج في موازنة الدولة أو يمكن تحويله إلى سيولة ملكاً له، سواء كان مواقف حكومية، أو أراضي، أو أناساً، أو بنى تحتية. في هذه الأثناء يتولى سيرغي كريينكو، النائب الأول لرئيس الديوان، صون "روسيا بوتين" إلى أن يعود بوتين، ويضطلع كريينكو بدور المدير في الوقت الإضافي، وهو ينتظر الأوامر، إلا أنه لم يتلقَّ أياً منها.

لكن النظام لا يعمل من دون بوتين الناشط بالكامل، ويفتقر أيضاً إلى أي توجيه استراتيجي. نسمع ضجة كبيرة عن "توظيف أناس أصغر سناً"، إلا أننا لا نشهد حقاً تجديداً سياسياً فعلياً، فلا يملك فريق العمل الجديد برنامجاً يمكنه تطبيقه، فضلاً عن أنه عاجز من الناحية الاستراتيجية في ظل النموذج الراهن، ولن يكتسب هذا الفريق سلطة حقيقية ما لم تذُب البيئة السياسية الراهنة. يوصف المسؤولون الروس الشبان بـ"التكنوقراط"، ولكن ما يعنيه هذا المصطلح فعلاً هو أن هؤلاء يشكّلون جزءاً من العملية الانتقالية إلى روسيا ما بعد بوتين.

يسيطر الخوف على الجو داخل جهاز الحكومة، فيما تشتد المنافسة بين الوكالات الأمنية، فلا تُنفَّذ عمليات الاعتقال التي نراها في أوساط الكرملين وفق "خطة بوتين" أو بأمر من السلطة العليا، بل تشكّل إشارة إلى منافسة محتدمة على السلطة.

تشكّل بداية العهد الرئاسي 2018-2024 فرصة مناسبة لعقد الصفقات على أرقى المستويات، ولن تقتصر هذه الصفقات على مصالح السادة المسنين المنهكين، ولا تعتمد حصراً على "أوصياء" أوساط الكرملين، الذين يملكون مصلحة كبرى في السيطرة على بوتين فيما يزداد ضعفاً.

صحيح أن بوتين يبقى المرشح غير المعلن ونافالني المرشح غير المسجل، إلا أن السباق بينهما يقترب من ذروته مع حلول السنة الجديدة، وستُضطر الدولة قريباً إلى محاولة تسجيل نافالني للانتخابات أو رفضه، علماً أن كلا الخيارين قد يولّد أزمة.

في كلتا الحالتين سيُرغم بوتين على محاربة حزب نافالني غير المسجّل، الذي يضم مئات آلاف المواطنين الروس، ولا شك أن هذا سيشكّل الصراع الأبرز في الحملة، غير أن هذا الصراع لن يكون بين بوتين ونافالني بل بين بوتين وداعمي نافالني. لا يكتفي هؤلاء بدعم مرشحهم، بل يؤيدون بإصرار كبير عملية الانتقال: انتقال روسيا إلى مستقبلها ما بعد بوتين.

* غليب بافلوفسكي

* «كارنيغي موسكو»