حسمت محكمة الاستئناف صراع المصطلحات، الذي ظل مسيطراً على أجواء القضية، هل هو دخول أم اقتحام لمجلس الأمة؟

وصفت المحكمة ذلك الفعل بأنه "دخول"، وليس اقتحاماً، فانتصرت للداخلين، إلا أنها، بالمقابل، حلّقت بعيداً في التشدد ضدهم، وأصدرت أحكاماً قاسية تجاوزت محيط الفعل كائناً ما كان، خاصة أن الفعل وظروفه المحيطة كانت سياسية بامتياز، وهي اعتبارات ينظر فيها القاضي عادة. فالداخلون لم يجتمعوا هناك لاختطاف رهائن أو تفجير مبنى أو اغتيال أشخاص، أو حتى السلب بالقوة أو الإكراه، فوجودهم هناك كان سياسياً ولغرض سياسي، ترتبت عليه نتائج على الأرض وفتح ملفات فساد وتغيير رئيس وزراء، وغير ذلك من تداعيات.

Ad

منذ ٦ سنوات تقريباً، قامت مجموعة مناهضة للنظام السوري بمحاصرة السفارة السورية بمنطقة مشرف، على أثر اندلاع الحراك الشعبي في سورية، وخلالها تم اقتحام (أو دخول إن شئت) مبنى السفارة، وهو مبنى يتمتع بالحصانة الدبلوماسية، وحدثت جراء ذلك أضرار وإتلاف كبير. تم القبض على المقتحمين، وترددت شائعات بأنه سيتم إبعادهم إلى سورية. اتصل بي عدد من أهالي المقبوض عليهم للمساندة، وبذلت ما أستطيع في هذا الاتجاه، مستنداً بذلك إلى المادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها الكويت سنة ١٩٩٤، والتي تمنع إبعاد أي شخص إلى بلده أو إلى بلد آخر قد يتعرض فيه للتعذيب، ولا داعي لشرح المصير الذي كان سيلقاه المبعدون.

دون الدخول في التفاصيل، تجاوبت الداخلية مشكورة، فعدلت عن فكرة الإبعاد، بتقديمهم للمحاكمة في الكويت، علماً بأنه كان قد تم ترتيب بلاد أخرى لكي يبعدوا إليها. صدرت أحكام عادية في حدود الفعل، دون تضخيم ودون مبالغة، على الرغم من أنه كانت قد حدثت صدامات ترتب عليها جرح بعض رجال الأمن.

لم أكن مؤيداً لدخول المجلس، ولكن أفهم جيداً ظروفه الحاكمة، وخلفياته السياسية.

الإطار السياسي يقول إن هناك صراعاً كان قد اشتد عوده وتصاعد بدءاً من ٢٠١٠، تمخضت عنه مفارقات متنوعة، وشاركت فيه أطراف كثيرة، من بينها في الأسرة الحاكمة وغيرها، وانكشفت فيها ملفات فساد كبرى لم يكن أقلها ملف الإيداعات والتحويلات المليونية، وكان دخول المجلس في إطارها. انتهت المعركة السياسية لمصلحة الحكومة ومؤيديها، وأقر أغلبية المعارضين، ولا أقول المعارضة، بذلك، ورفعوا الراية البيضاء، وخاضوا انتخابات كانوا قد رفضوا خوضها، وقالوا فيها ما قاله مالك في الخمر، وبالتالي فإن الحكم الذي صدر يحاكم حقبة سياسية مضت وانتهت بانتصار السلطة على خصومها، وهناك مسار حقوقي يتعامل مع قضايا الماضي الرخوة بمنطق مختلف. ولربما كان قاضي الدرجة الأولى عندما حكم بالبراءة قد وضع ذلك في حسبانه، ولم يفعل ذات الفعل قاضي الاستئناف، فجاء حكمه صادماً قاسياً وخارج السياق الموضوعي. بطبيعة الحال مازالت هناك فرصة لمحكمة التمييز لتقول قولها، ولكن في كل الأحوال، أعرف العديد من الأشخاص المحكومين، ومن أعرفهم منهم أعرف أنهم أشخاص وطنيون مخلصون لهذا الوطن، لم يجتمعوا لتدمير أو​ لسرقة أو لتفجير أو لقلب نظام حكم، كل ما هنالك أنهم أرادوا التعبير عن رأيهم فلعبت الظروف الموضوعية دورها في توجههم للمكان.

# حيث إنه لم يتم تشكيل الحكومة بعدُ، نستكمل سلسلة "التاريخ السياسي للتشكيل الوزاري" لاحقاً.