قبل أن أتناول ديوان شعر "دارتس"، وهو عمل شهد الفضلي الأخير، أحب أن أشيد بمجموعة من الشباب البدون، الذين يشكِّلون بالنسبة لنا الجيل الثاني من الكُتاب والشعراء.

تأسس الجيل الأول، وخلق عالمه الشعري والروائي، محاولا أن يكون رافدا من روافد الأدب في الكويت، رغم محاولات الإقصاء التي تمارسه عليه المؤسسة الرسمية وشبه الرسمية وبعض العناصر الأدبية التي تبنت مواقف عنصرية بغيضة وغير مبررة. هذا الجيل القادم يبشر بالكثير، وكما قلت مرة "إن قدر البدون أن يكون مثقفا"، وهو جيل يعيش أجواء ثقافية لم يكن ليتحصل عليها الجيل الذي سبقه.

Ad

في عالم النشر والترجمة الذي تشهده الحركة الثقافية في العالم العربي، وسهولة التواصل مع الآخر على خريطة العالم العربي أو المنفى يتشكل الجيل الثاني بثقافة نوعية تساهم في إثراء عالمه الروائي والشعري.

شهد الفضلي بعد تجربتها الأولى (فاصلة منقوطة) تعمل بروية وهدوء شديدين، بعيدا عن صخب الإعلام، وبعيدا عن صراعات ناعمة أو خشنة بين الزملاء، وهو ما ألزمها وألزم قصيدتها وحدة مؤلمة لا خيار فيها.

"دارتس"، هي لعبة يمارسها الإنسان وحيدا بين أربعة جدران، لا ينتصر على أحد، ولا ينتصر عليه أحد، لا يفوز تماما، ولا يخسر تماما. وهي اللعبة التي مارستها الشاعرة، لتجسِّد هذه الوحدة في نصوصها. شهد الفضلي وكل هؤلاء الذين وجدوا أنفسهم يصارعون من أجل كياناتهم ووجودهم يتقاسمون هذا الألم، الذي يعجز أن يوحدهم وينجح في توحدهم.

أبناء تيماء، وما شابهها من مدن، بدأت تتهالك، ويُصاب شبابها بالكهولة المبكرة، ويتحولون كما "قال الغريب: في تيماء البشر روايات بائسة تمشي على الأرض". هذه الأقدار المرسومة عنوة على جباههم جعلت كفاحهم عبئا فرديا، ونضالهم في ذواتهم. يعيشون ألمهم وحدهم، وينتظرون موتهم في اللحظة التي يوهبون فيها الحياة.

"يا الله فرادى نحن في الألم"!

ما الذي يجيده "البدوني" الآن؛ رجلا كان أم امرأة، سوى محاورات جادة مع الفناء؟ ما الذي يملأ حياته سوى الألم الذي يتكرر كل يوم؟ هذا الشعور بالخيبة والإحباط يتكرر في أغلب أعمال الشباب البدون، كما تكرر في أكثر أعمال الجيل السابق، وربما إذا استمر الحال، فسيتكرر في أعمال الأجيال اللاحقة. تلك الحالة التي أجادت شهد التعبير عنها، وهي تطرق بألم هادئ على أرواح قرِّائها وروح قصيدتها. لا فرح يشهده النص، وكأن الفرح أصبح مهمة مستحيلة لشعراء في بدايات حياتهم تغلب عليهم السوداوية، ويفكرون في النهايات، قبل أن يبدأوا أول مشوار في حياتهم.

"أيها الموت، ألحقك كل يوم في الطرقات، ولا أصل، سريع أنت، وأنا متعبة، ربما نلتقي على طريقة سيلفيا بلاث".

الذي يتابع مفردات هذا العمل سيجدها عالما من الحزن والألم والموت والخيبة، وهي مفردات فرضتها على القصيدة حالة لا يمكن التنكر لها أو تجاوزها. أصبح صعبا علينا أن نطالب الشاعر في ظرف مأساوي كهذا أن يغني. سيتشكل جيل من الروائيين والشعراء "البدون" يكاد يحترق الورق من أنينهم، عسى أن يستمع إليهم أحد. يصابون بالأسى ويقذفون بالنكران ويصمدون رغم بشاعة ما هم فيه:

"اذهب ومت

لنمحو اسمك من قائمة الله

فقد خلقت في الوقت الخطأ

أيها "البدوني" الخارج من قلق التصريحات

والوعود الواهية".