لسبب غامض، وغير مفهوم، تحاول معظم وسائل الإعلام العربية وكُتاب وإعلاميون عرب كذلك، تجاهل الجزء الأهم من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الصحافي الأميركي الشهير توماس فريدمان، المتعلق بمحاربة الفساد وإرجاع 100 مليار دولار مختلسة من المال العام، وتصميم الأمير بن سلمان أيضاً على أنه لن يفلت أحدٌ من الفاسدين منذ انتشار هذه الظاهرة في ثمانينيات القرن الماضي.

شخصياً، أعتقد أن "زلزال بن سلمان الإصلاحي" يكمن جوهره في حملته على الفاسدين، وإن كانت بقية خططه وأفكاره الاقتصادية وتحديثه للمجتمع السعودي مبهرة وعبقرية، لأن بقية أفكاره المتعلقة بمواجهة التطرف، والعودة بالمجتمعات العربية الإسلامية إلى الوسطية والاعتدال، مطروحة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، لكنها لم تحقق أهدافها، أو نجاحات لافتة، لوجود علاقة بنيوية بين غالبية أنظمة الحُكم العربية الحالية، وخاصة الخليجية منها، والفكر الأصولي، كما أن الكثير من الخطط التنموية العربية السابقة لم تكتمل أو تحقق الهدف المنشود منها، ربما لأنها لم تقترن بخطط جدية لمحاربة الفساد.

Ad

المشهد العربي والخليجي، وعلى وجه الخصوص النخب المهيمنة على السلطة والمال، وحصراً الفاسدين منهم، في حالة صدمة وذهول، بل ونكران، حتى الآن، كون شاباً إصلاحياً يصل إلى السلطة يضرب الفاسدين الكبار بيد من حديد، بل يريد أن يحاسبهم ويعيد أموالاً منهوبة منذ ما يقارب 40 عاماً، ويرسخ مبدأ عدم سقوط قضايا المال العام، مهما تقادم زمنها، وكذلك وضعه لصندوق إبراء الذمة لمن يريد أن يُرجع أموالاً حصل عليها من الدولة، دون وجه حق، بلا ملاحقة قانونية عن فعلته تلك.

بلا شك، إن تلك النخب مُحاصرة في العديد من الدول العربية، وإن كانت تبدو أنها مازالت تسيطر على الأمور، فهي بين سندان أن يظهر في دولها قائد ينسخ تجربة بن سلمان الإصلاحية، ومطرقة اتفاقية مكافحة الفساد الصادرة عن الأمم المتحدة الموقَّع عليها من 140 دولة في العالم، والتي تلزم ملاحقة الفاسدين، وتسليمهم إلى دولهم، واسترداد الأموال المنهوبة، حتى لو امتد الأمر لعدة أجيال من ورثة الفاسد.

الاتفاقية تنص على أن استخدام السلطة السياسية للحصول على منافع مالية مجرَّم، والوثائق المطلوبة لملاحقة المتهم تسلم من كل الأطراف الحكومية والخاصة، ولا يمكن أن تختفي أو تتلف تلك الأدلة في عصر الذاكرة الرقمية، والمثال اليوم قائم على تحقيقات الشرطة الفدرالية الأميركية في فساد ورشاوى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، رغم أن الجرائم وقعت على الأراضي السويسرية، لكن الأميركيين هم من يباشرون الدعوى والتحقيق، ويطلبون من المحاكم السويسرية القبض على المتهمين، وفقاً للاتفاقيات الدولية، كما أن مثال الملياردير حسين سالم- المصري (ملك تصدير الغاز)، والذي يعيش حالياً حياة متواضعة، بعد أن استردت مصر أموالها منه المخزنة في إسبانيا أيضاً وفقاً للاتفاقيات الدولية، وما سيحدث للكويتي فهد الرجعان قريباً مثال آخر على ذلك.