يبدو لي أنه يجب أن أعتذر للقارئ الكريم عن إيراد أمثلة هذه العناوين القاتمة، مثل: "حارس الموتى". لكن لا يبقى في اليد حيلة إذا جاءت عنواناً لرواية الكاتب اللبناني جورج يَرَق في المقام الأول، ثم تأتي في المقام الثاني لتكمل سلسلة رصد الواقع الفائح برائحة الحروب والدماء والموت.

أما ثالث المقامات ذات الصلة، فهو مساهمتها في تأسيس الذاكرة الثقافية المعاصرة، التي لا بد لها أن تتناص مع التاريخ، فلا تدع الساسة يكتبونه وحدهم، إنما تصنع تاريخاً محكياً وروائياً يوثق حكايات الناس ومعاناتهم اليومية مع عبثية الحروب وفوضاها وخلوها من المنطق والمعنى.

Ad

وسبق لي أن كتبتُ عن هذا التوجه الروائي نحو تسجيل آثام الصراعات الإقليمية وفضائحها، أو بالأحرى فجائعها الإنسانية. ويحضرني في مقام التشابه مع (حارس الموتى) رواية سنان أنطون (وحدها شجرة الرمان) ورواية أحمد السعداوي (فرانكشتاين في بغداد)، اللتان قدمتا مسحاً مفصلاً عما يحدث في العراق، فيما أكمل جورج يرق رصد ما حدث في الحرب الأهلية اللبنانية من مشاهد لا تختلف كثيراً في قسوتها وخلوها من المنطق والهدف، اللهم إلا تغذية الإحن والعاهات النفسية المريضة.

وكما هو معروف، فإن الصراعات يصنعها الساسة والمتمصلحون وتجار الحرب، ليحمل وزرها البسطاء وعامة الناس، حين يرون أنفسهم أعجز من أن يغيروا أو يوقفوا سيول العنف وخراب الديار والنفوس، فتجدهم ينساقون مع إيقاع حياة ملوثة بالسواد والشظف والمتناقضات، قاذفين بأنفسهم في مجارٍ موحلة لا يرون غيرها طريقاً لحياة تُعاش كيفما اتفق.

يقول "عابر ليطاني"، بطل الرواية، مفسراً انجرافه للانضمام لإحدى الميليشيات المقاتلة في الحرب الأهلية اللبنانية: "لا قضية لي كي أضحي من أجلها. كثير من رفاقي هم مثلي، جاؤوا إلى الحرب مضطرين، لكنهم يحاربون من أجل الظفر بغنائم من البيوت والمتاجر. لولا هذا العامل المغري لتخلى معظمهم عن السلاح، وقذفوا ببزاتهم العسكرية في وجوه من سلموها إليهم. إنهم فقراء مُهجّرون يأوون إلى الأحزاب التي تدربهم وتطعمهم في انتظار سوقهم إلى الموت".

وهكذا، يمكن أن تتضاءل أهداف الحرب، لتكون مجرَّد وسيلة إعاشة، ومصدراً للقمة خبز! وهذا هو مدار حكاية "عابر ليطاني"، الشاب اليافع الذي يجد نفسه - بعد حادثة قتل غامضة لمعلم في ضيعته – في دائرة الشبهات، فيفر من الضيعة إلى بيروت، ليجد نفسه عاطلاً وجائعاً وبلا مأوى. في الوقت الذي كانت بيروت واقعة تحت وطأة الحرب الأهلية وفوضاها وعشوائيتها. ولكي يضمن لنفسه الحد الأدنى من العيش اليومي، يضطر إلى الانضمام لأحد الأحزاب المقاتلة، طمعاً بلقمة وسقف وسرير، يعينه على ذلك مهارته في الرماية والقنص. وخلال ذلك كان يعاين ما يجري من اعتداءات غير مبررة وقتل مجاني واغتصابات وسرقات وسفالات تسلب الإنسان آدميته، محاولاً أن يبقى على هامش هذه الحوادث ما وسعه ذلك. وأخيراً يضطر إلى ترك الحزب، بعد مقتل زميل مقرَّب غيلة، هارباً ببقية عقله مما يجري.

وفي محاولة ثانية منه للبحث عن عمل بعيداً عن القتل والقنص، تقوده الأقدار إلى الاشتغال عاملاً في "برّاد الموتى" بأحد المستشفيات، ووظيفته تجهيز الموتى للدفن، إلى جانب المساعدة في غرف العمليات. ولم يكن المستشفى أثناء الحرب – رغم رسالته الإنسانية – يخلو من الفساد والاختلاس والعلاقات المشبوهة، حتى سمته "كريستين"، الراهبة المسؤولة، بالكابريه. وهكذا ينغمس "عابر" في تيار الفساد، ويصبح إحدى مفرداته، لكي لا يشذ عما يجري حوله، ففي زمن الحرب لا بد أن تميل كل موازين الخُلُق والقيم.

وطوال رحلة البحث عن العيش في زمن الحرب يظل "عابر" مشغولاً بهاجس الاغتيال الذي سيطوله؛ عاجلاً أم آجلاً، تشفياً أو انتقاماً من أفعال لا يدري إذا كانت تستحق أن يُقتل من أجلها! ففي زمن الحرب لا تبقى مقاييس للعقل أو المنطق، ويغدو القتل مجانياً وعشوائياً وبلا مبررات. وهذا ما كان حين يتلقى رصاصات غادرة، ثم يُلقى به تحت الجسر، وهو في الرمق الأخير من الحياة.

أتمنى أن تكون رواية "حارس الموتى" آخر ما أقرأه في سياق الكتابة عن الصراعات والحروب ومآسيها الإنسانية. فالقراءة في هذا الموضوع لا تجلب غير الشعور باليأس والعجز، ناهيك عما تبثه حولك من طاقة سلبية لا رادّ لها، متمنية على الروائيين أن يشتغلوا على ما ينعش الآمال، ويرفع سقف التفاؤل، آخذين بعين الاعتبار ما للكلمة من أثر في صياغة النفس البشرية، ودفعها نحو التفاؤل والإيجابية.