هي حكومة قلب الأسد، التي منعت ندوة المحاضر أحمد زايد في الجمعية الثقافية، وهي التي طلبت منه الرحيل بعد ذلك، وهي التي منعت كتباً كثيرة سابقاً من أبحاث الراحل د. خلدون النقيب، حتى عدد من الروايات لشباب اليوم في معرض الكتاب، لا لمعايير موضوعية وإنما لعشوائية الجهل والاعتباط المرافق لفكرها ونهجها. هي حكومة قلب الأسد المستقيلة والثابتة منذ عهود طويلة ذاتها التي حرمت قبل تسع سنوات دخول الراحل نصر حامد أبوزيد وغيره من كتاب أو دعاة فكر تتصور أنه مارق ومقلق لنومها السياسي.

هي الحكومة ذاتها التي سحبت جناسي عدد من المواطنين لمجرد أنهم عبروا قليلاً عن رأيهم السياسي، وهي حتى الآن تتلكأ بحجج شكلية بإعادتها لهم، وهي الحكومة "ماكو غيرها" التي لاحقت المغردين بقفازات قوانين قمعية لا دستورية، وتم قبرهم في السجون لمدد طويلة، لأنهم سطروا حروفاً بسيطة على كي بورد، فتمت مصادرة حرياتهم وتم إخراس اللغة. هي الحكومة السلطوية التي تتغير أسماء بعض أشخاصها لكنها ثابتة في نهجها وتخلفها وهيمنتها على كل صغيرة وكبيرة في دولة تتدثر شكلاً بدستور مفرغ من محتواه، وترفع شعار الفصل بين السلطات.

Ad

ليس النائب وليد الطبطبائي أو زميله محمد هايف أو غيرهما من جماعات التيار الإسلامي المحافظ من يقمع ويمنع ويصادر حرياتكم الفكرية ويستلب لغتكم، حتى يهرول الكثير من سذج الليبرالية للوم هذا أو ذاك الناشط أو النائب الإسلامي أو التيار المحافظ، ويلقي بكل اللوم على هذا التيار، وتحصر قضية الحقوق والحريات في منع ندوة أو كتاب وإبعاد باحث ما، بينما صمت سذج الليبرالية (الليبرالية الشكلية) عن أبشع انتهاكات لحقوق الإنسان في نفي الهوية الوطنية أو معاملة البدون أو محاصرة الوافدين في أبسط حقوقهم، بهذا التسطيح لليبرالية النفطية، وهي محافظة في جوهرها ومتعالية متغطرسة في رؤيتها للآخر المختلف عنها، يتم إشغال الناس عن حقيقة بلوتهم مع إدارة الدولة والمسؤولين عنها، حين تختصر قضية الدولة كلها بعبارة، مثل أن الدولة مخطوفة من تيار الإسلام السياسي وكأنها فتاة قاصر تم خطفها بليل حالك الظلام! وبهذا يتم إصدار صكوك البراءة مقدماً عن المتهم والمسؤول الحقيقي في قضية الحرية والتقدم بدولة المزاجيات والحلول العشوائية وشيوخ "البخاصة" الأبدية.

طبيعي أن يهدد ويحرض أفراد الجماعات الدينية المحافظة ضد أي كاتب أو كتاب أو مشروع محاضرة لزائر يهز قناعات ثابتة لجمهور عريض مطمئن راض عن حاله، يخشى من أي حجر يلقى في بحيرة تفكيره المتراخي، قد تذهب بطمأنينة دافئة في الرأي الواحد الذي يزعم أن له حلولاً لكل مشاكل الوجود، وتبعد بالتالي عنه مشقة التفكير الجدلي النقدي، لكن يبقى، في النهاية، أن هؤلاء المحافظين سواء كانوا يبدون آراءهم وهذا حقهم، أو كانوا يهددون ويتوعدون بالمساءلة السياسية للسلطة، إلا أنه يظل المحك، آخر الأمر، هو في من سينصت لهم ويزايد عليهم إيثاراً للسلامة السياسية، ولا يكلف نفسه عناء الرد عليهم ومحاجتهم بالمنطق ومبادئ الدستور أو تحديهم!

لماذا تريد حكومة قلب الأسد الغائبة الحاضرة أن توفر على نفسها العناء وترتعب من استجواب ما أو احتمال رحيل شيخ أو وزير من الحكومة كنتيجة المساءلة السياسية؟ ماذا يعني إن بقي هذا الشيخ أو الوزير أو رحل، إذا كان لهذه الحكومة رؤية ونهج واضحان، تستطيع بهما الدفاع عن أسس دستور الدولة وحريات المواطنين؟!

ليست قضيتكم هذا التيار المحافظ، ولا يصح أن تكون القضية بإلقاء كل اللوم على المعارضة السياسية (وهي تتحمل بعض اللوم) باعتبار أن عدداً من رموزها من المحافظين الدينيين، قضيتكم هي هذه السلطة التي صرفت أنظاركم عن أزمتها الحقيقية، وهي أزمة بنيوية تقبع في صميم هيكلها يستحيل علاجها، فكونوا منصفين.