خلال ثلاثة أو أربعة أيام فعّلت إدارة المرور قانوناً منسياً، بفرض عقوبات قاسية لمخالفات ربط الحزام والتحدث بالهاتف والوقوف فوق الرصيف، ولابد أن الإدارة تخيلت في نشاطها العفوي صورة العدالة كامرأة مغمضة العينين تمسك السيف بيد وباليد الثانية تقبض على ميزان كي توازن بين الحق والباطل، وسرحت الإدارة مع هذا الخيال، ولا لوم عليها، في بلد يعد الأكثر في العالم بحوادث المرور، وإن كانت معظم تلك الحوادث المرعبة لا تعود لمجرد حزام الأمان والهاتف، وإنما لغياب فعالية الرقابة في تطبيق القوانين المرورية بصورة عامة، وتدخل اعتبارات الفساد من محسوبيات ووساطات، ومراعاة تطييب خواطر متنفذين من أسباب تجاوزات قانون المرور، ولنكن منصفين لإدارة المرور، فهذا النقص ليس محدوداً بها، إنما يكبر ليشمل الكثير من قوانين الدولة، حين تطبق بانتقائية، أو تتحرك بفعالية هوجاء بمزاج صاحب السلطة أحياناً، وتخمد نائمة في أحايين أخرى، حسب ظروف ومتطلبات الدولة القبلية الريعية.

خلال ثلاثة أو أربعة أيام حشرت الثقافة الإعلامية فوق عربات نقل طويلة، حمل عليها مئات السيارات المخالفة، لحجز يفترض أنه يمتد شهرين، وركن جانباً في "أفوريا" الحماس القانوني بكلشيه بأن القانون "يعلو ولا يعلى عليه" مشتق من أدبيات محكمة الفريج مجزرة الكتب في معرض الكتاب، بعد أن سلم مصير حرية اللغة والفكر لمقصلة جهاز بيروقراطي في وزارة الإعلام لتصادر وتمنع كتباً حسب ثقافة بشر ومعايير جماعات لا شأن لهم بالفكر والثقافة الإنسانية، وهي الثقافة الجدباء ذاتها التي منعت في السابق -وتمنع اليوم- محاضرات معينة تهز قناعات راسخة بحجة هذا بلد إسلامي، ولا مكان لفكر الآخر داخل قلعة "البلد إسلامي" ونواطير العقيدة، وهم طبعاً "نواطير" السلطة الواحدة التي تتوسل شرعيتها الناقصة عند حراس العادات والتقاليد وأصول العقيدة.

Ad

خلال ثلاثة أو أربعة أيام، عاد وزير الداخلية من رحلة السفر، ويبدو أنه لم يكن يعلم بحملة تطبيق قانون السحب المروري، وقرر أن يوقف تطبيق القانون لشعوره بعدم عدالته، لكنه عاد، أيضاً خلال ثلاثة أو أربعة أيام، واقتنع بعد اجتماع حاسم مع الإدارة المرورية بأن الإحصائيات التي ظهرت خلال 12 ساعة فقط، تقول إن الحوادث تناقصت كثيراً بسبب حجز السيارات، مثلما تناقصت، قبلها، قدرة النقد الجدلي عند جماهير "يا رب لا تغير علينا" بعد عقود ممتدة من الحجز الفكري وهيمنة حكومة الأخ الأكبر على مناهج التعليم والثقافة وجل الحياة الاجتماعية، وهو وإن كان أخانا الأكبر، إلا أنه مسكين، فقدراته العقلية متواضعة جداً، ولا تتناسب مع مكانة الوجاهة السلطوية!

لا يهم ما فات، ففي ثلاثة أو أربعة أيام، أدخل الوزير عدة استثناءات على القانون، التي ستتوسع وتنهي حياة القانون بكامله، منها أن القانون لا يطبق إذا كان مرتكب الجرم أنثى، وهذه سابقة جديدة في عالم الفكر القانوني، فمثلما تظلم قوانين الشرق المحافظ الأنثى وتنتقص من حقوقها الاجتماعية، أيضاً تنصفها بوصفها الكائن الضعيف "الناقص عقلاً"، فتستثنى من حكم القانون، مثلما استثنيت في العديد من الامتيازات الذكورية، كحق أبنائها في الجنسية بالتبعية لها، أو حقها في الإسكان أو الولاية على الأبناء... وغيرها من حقوق وامتيازات منسية في عوالم ولاية الأخ الأكبر المذكر.

لا يهم كل ما سبق، في كوننا اللامحدود، فخلال ثلاثة أو أربعة أيام تمدد هذا الكون بالزمان - المكان ليتسع لهذه الإدارة الكويتية العليا، فهنيئاً لكم يا أهل الكويت... ويا بختكم بها.