لقد رسخ في الوعي الجمعي للمصريين، كما يقول مؤرخون ثقات، إن الحفاظ على الوحدة الوطنية، وصون تدفق مياه النيل، أهم عناصر مسؤولية الحاكم، وإن القدرة على تحقيق هذين الهدفين بمنزلة المحك الرئيس لشرعية الحكم وكفاءته.

يكتسب النيل مكانة لا تضارعها مكانة في الضمير والوجدان المصريين؛ ورغم ما تعرض له في العقود الأربعة الأخيرة من إساءة؛ فإن الحديث عن المساس بتدفقه، يعني ببساطة التلاعب بمصير الأمة، والعبث بالأسس الجوهرية لأمنها.

Ad

لهذا، لم يجد الرئيس السيسي وصفاً دقيقاً يعبر عن خطورة مشكلة مياه النيل إلا أن يصفها بـ"قضية حياة أو موت"، حين سُئل عن تطورات المحادثات مع إثيوبيا في شأن "سد النهضة"، واحتمالات فشلها، خلال مقابلة صحافية أجراها مطلع الشهر الجاري.

تكمن المشكلة التي تؤرق القيادة والشعب في مصر راهناً في أن حصة مصر التاريخية في مياه النيل، والتي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، وفق اتفاق تم توقيعه برعاية المملكة المتحدة في زمن الاحتلال، واتفاق آخر تم توقيعه بين القاهرة والخرطوم في عام 1959، لا تكفي استخدامات المصريين.

ففي آخر تعداد أجراه جهاز الإحصاء الوطني، ظهر أن عدد المصريين بلغ أكثر من مئة مليون نسمة، ومع ذلك فإن تلك الحصة التي تم تحديدها قبل عقود طويلة لا تزيد، بل باتت معرضة للنقصان.

تزيد الاستخدامات المصرية على تلك الحصة بطبيعة الحال، خصوصاً مع التوسع الزراعي والصناعي، والزيادة المتسارعة في أعداد السكان، ويتم تعويض العجز عبر الاعتماد على المياه الجوفية المحدودة، ومعالجة مياه الصرف، لكن هذه البدائل لا يمكن أن تقابل الاحتياجات التي تتزايد باطراد.

وفي غضون تلك المشكلة الصعبة، فجرت إثيوبيا أزمة كبيرة حين أعلنت بناء "سد النهضة" في عام 2011، وببساطة شديدة فإن هذا السد يمثل تهديداً صارخاً للأمن المائي المصري، لأنه سيُبنى على النيل الأزرق، الذي تأتي منه 80% من موارد مصر المائية، ولأنه سيحتاج أن يُملأ ليتسنى تشغيله، فإن مصر ستفقد نحو 10% على الأقل من إيرادها، الذي لا يكفيها في الأساس.

منذ اليوم الأول للإعلان عن بناء "سد النهضة"، سعت مصر إلى التفاوض مع إثيوبيا وبقية دول حوض النيل، لكي تضمن سلامة مواردها المائية، خصوصاً أنها تحظى بوضع قانوني جيد، تستمده من اتفاقية عام 1929، التي وقعتها بريطانيا باسم بعض دول حوض النيل مع مصر، وأعطت خلالها للقاهرة حق الاعتراض على بناء أي سد على طول النهر، بشكل يؤدي إلى الإضرار بحصتها.

لكن بدا أن إثيوبيا، التي لم تكن علاقاتها جيدة بمصر منذ وقوع محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك في منتصف التسعينيات الفائتة في أراضيها، والتي أظهرت استياء مما اعتبرته "تعاوناً" بين مصر وأرتيريا، والتي تربطها علاقات تعاون ببعض الدول المعادية لمصر، أرادت أن تسوف وتماطل، وأن تشكك في الاتفاقية التي تقرر حصة مصر المائية، باعتبار أنها وُقعت في زمن الاحتلال.

بعد ستة أعوام من التفاوض مع إثيوبيا، وصلت مصر إلى خلاصة أعلنتها الأسبوع الماضي، مفادها: "استنفدنا جهود التفاوض كلها... إثيوبيا تماطل وتكسب وقتاً... نراجع إجراءاتنا في مجال التعاطي مع السد... وسننقل الملف من المسار الفني إلى المسار السياسي... والقضية بالنسبة إلينا حياة أو موت". يقول خبراء مصريون، بينهم وزراء ري سابقون، ومسؤولون سياديون اطلعوا على ملف السد وانخرطوا في المفاوضات الخاصة به، إن مصر يجب ألا تكمل في مسار التفاوض الفني، بعدما تبين لها أن أديس أبابا تريد أن تستهلك الوقت، وصولاً إلى فرض أمر واقع، بعد الانتهاء من بناء السد، والبدء بملئه.

وينصح هؤلاء ببحث خيارات أخرى بديلة للحفاظ على حصة مصر من المياه، وهو الأمر الذي تطالب به قطاعات في النخبة، وعدد من الكتاب والمحللين المعروفين في وسائل الإعلام.

لكن أحداً لم يطرح البدائل المناسبة، أو يقيم فاعليتها، وخصوصاً أن الحكومة كانت حريصة في الفترات السابقة، ومنذ وصول الرئيس السيسي إلى الحكم، على إبقاء الملف بعيداً عن الأضواء، مكتفية بكلمات مقتضبة تصدر في بيانات مكتوبة في أعقاب كل جولة من جولات التفاوض.

لكن يبدو أن الأوضاع باتت خطيرة إلى درجة دفعت الحكومة المصرية إلى إعلان فشل جولة المفاوضات الأخيرة التي أجريت في القاهرة في 11 و12 نوفمبر الجاري، وهو الأمر الذي يشير إلى نفاد صبر القاهرة. يقول بعض الخبراء إن مصر أمامها خيار فعال يمكن أن تلجأ إليه في أعقاب العطب الذي أصاب المسار الفني للتفاوض، وهم يشيرون في هذا الصدد إلى خيار الضغط الدبلوماسي، وما قد ينجم عنه من تطور وصولاً إلى المقاطعة أو الحصار.

يحض هؤلاء الحكومة المصرية على القيام بحملة علاقات عامة ضخمة ومؤثرة، يعقبها تحرك دبلوماسي مؤثر، يهدف إلى بناء موقف متماسك، يجبر أديس أبابا على التجاوب مع المخاوف المصرية واتخاذ إجراءات مطمئنة.

لا يمكن ضمان نتائج مثل تلك السياسة بطبيعة الحال، خصوصاً في ضوء قيام بعض الدول الغنية بمساندة إثيوبيا، ودعمها، لتمضي قدماً في بناء السد وتجاهل المخاوف المصرية.

إذا عدنا إلى مقولة الرئيس المصري عن كون مياه النيل "قضية حياة أو موت"، يجب ألا نستبعد خيار الحرب؛ وهو أمر غير مُحبذ بطبيعة الحال، لكن مثل ذلك الخيار بات مطروحاً في المجال العام المصري، وإن على استحياء. يُذكر البعض، في هذا الصدد، بنمط التسلح غير المعتاد الذي حرصت عليه الإدارة المصرية منذ تولى السيسي الرئاسة؛ وهو نمط تضمن وسائل قتالية بعيدة المدى، كما يشيرون إلى الجهود المصرية لتعزيز العلاقات مع بعض الدول المحيطة والقريبة من إثيوبيا.

ثمة مشكلات كبيرة تعانيها مصر راهناً، أهمها يتصل بالأزمة الاقتصادية، وبعضها يتعلق بالاستقطاب السياسي، والشعور بغياب الأهداف الكبرى الموحدة... وهو أمر قد يعوق الإقدام على شن الحرب، لكنه أيضاً قد يجعل في الهروب إليها حلاً ناجعاً.

* كاتب مصري