تتداول الأوساط السياسية في أربيل أن رئيس حكومة إقليم كردستان نيجرفان البارزاني منهمك في التشاور مع الأحزاب الكردية، لتشكيل وفد خاص يطلق المفاوضات مع بغداد بعد انتهاء طقوس الأربعين الحسيني الأسبوع المقبل، مشيرة إلى أنه حصل على «تفويض سياسي كبير» من حزبه.

وأكدت المصادر أن التحالف الدولي بقيادة واشنطن أبلغ بغداد وأربيل مجدداً منع أي عملية عسكرية جديدة، والتمسك تماماً بوقف إطلاق النار «وإلا فسيعتبر هذا اعتداءً على قوات التحالف نفسها».

Ad

وبعد ثلاثة أسابيع من الصدمة والقلق اللذين سادا كردستان، إثر إعادة انتشار مباغتة قام بها الجيش العراقي قلصت حجم الأراضي الخاضعة لإدارة الإقليم إلى نحو النصف، تتجه الأجواء إلى «ارتياح» متبادل عربياً وكردياً، نظراً لنجاح الطرفين في تجنب القتال، وهو ما تم بفضل وساطة أميركية واتصالات دولية مكثفة، وأيضاً بسبب تحولات داخلية رجحت كفة الجناح المعتدل في أربيل، ودعمت حكومة حيدر العبادي، الذي يكافح لتغليب منطق الحوار (في العادة) مناوراً التيارات المدعومة من إيران.

ولم يكن سهلاً على الأكراد تقبل عدم لجوء القوات الكردية (البيشمركة) إلى القتال إلا في اشتباكات محدودة، لكن الأيام اللاحقة كشفت وجود تفاهمات حول ما وصفه التحالف الدولي بـ«إعادة التنسيق الأمني»، وهو ما تأكد مع انطلاق أول حوار من نوعه بين كبار القيادات العسكرية من الطرفين لبحث الإدارة المشتركة.

وتجاوز الأكراد صدمة تخلي رئيس الإقليم مسعود البارزاني عن منصبه، وصاروا يتحدثون عن «إيجابيات» انتقال معظم الصلاحيات العسكرية والتنفيذية إلى رئيس الحكومة، وهو ابن أخيه نيجرفان، المعروف بميله إلى دبلوماسية الحوارات، وهو انتقال سياسي امتدحته واشنطن، ورحبت به بغداد كثيراً، إلى درجة شجعت العبادي على إطلاق أول إشارة جدية بشأن استعداد الحكومة الاتحادية لدفع مرتبات نحو مليون موظف كردي.

لكن هذه الخطوات لاتزال في بدايتها، خاصة مع تأخر الاتفاق على نوع الإدارة «المشتركة» لمدينة كركوك المتنازع عليها، وبشأن تصدير النفط من الحقول الواقعة داخل الحدود الإدارية للإقليم الكردي.

وذكرت المصادر أن واشنطن «تشعر بالاطمئنان، وأن الوضع مستقر» منذ بدأت النقاشات الأمنية الميدانية بين الطرفين، ويردد الدبلوماسيون أن ذلك «لن يتضرر حتى لو حصلت خروقات هنا أو هناك، أو تعثرت الحوارات أحياناً».

وحسب المصادر فإن العمل يجري للحفاظ على وضع كردستان الخاص، وتهيئة أرضية لانطلاق الحوار مع بغداد، وسط حرص أميركي على إبقاء العراق خارج أي تصاعد محتمل للخلاف بين إيران والسعودية.

ومن الناحية العملية كانت كردستان منذ عودتها إلى رفع العلم العراقي بعد سقوط صدام حسين عام 2003، شكلاً كونفدرالياً نادراً للإدارة لا تتدخل بغداد في شؤونها إلا رمزياً، أما الآن فإن الترتيبات التي ترعاها الولايات المتحدة، من شأنها أن تجعل كردستان مقاطعة فدرالية لديها لا مركزية واسعة، ولكن تنضبط بما نص عليه دستور 2005 وجوهره الاشتراك بين الطرفين في إدارة الثروة والحدود.

وإذا نجحت الحوارات فإنها ستعالج خلافاً تاريخياً كبيراً، وسيحد ذلك من ضغوط تركيا وإيران التقليدية على أكراد العراق، الذين اعتادوا القول إنهم يريدون الاحتفاظ بعلاقة استراتيجية مع بغداد، بينما تضغط إيران لتقليص صلاحياتهم إلى أقصى حد، وتطمح إلى مد نفوذها في منطقتهم الاستراتيجية التي تربط العراق بتركيا والاتحاد الأوروبي.