سينطلق ترامب في جولته الرئاسية الأولى في آسيا، حيث سيزور اليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، وفيتنام، والفلبين. وستكون كل الأنظار مركزة على الرئيس لاكتشاف ما إذا كان قادراً على طمأنة حلفائه وشركائه القلقين بشأن التزام واشنطن بأمن آسيا واستقرارها، لكن ترامب يواجه قيوداً كبيرة تحد من قدرته على تهدئة هذه المنطقة المتوترة. صحيح أن الخلافات المناطقية، مثل المطالبات البحرية المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي أو المواجهات الحدودية مع الهند، تحظى غالباً باهتمام أكبر، إلا أن جيران الصين معنيون أكثر بتداعيات بروز الصين الاقتصادية. تبدو مقاربة "الولايات المتحدة أولاً" الانتقالية، التي يعتمدها ترامب في مجال التجارة (والتي تجلت خصوصاً من خلال قراره نسف الشراكة عبر المحيط الهادئ بعيد توليه منصبه)، مصممةً بالتحديد لتعزيز هذه المخاوف بدل تهدئتها.

وما يضاعف المخاوف بشأن التبدل الحاصل في سياسة الولايات المتحدة التجارية ميل ترامب إلى تعزيز العلاقات التجارية مع حلفاء الولايات المتحدة بالتزامن مع الروابط الأمنية. فقد شكك ترامب أخيراً في مستقبل اتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في ذروة الأزمة بشأن برامج كوريا الشمالية للأسلحة النووية والصواريخ البالستية. لا شك أن الربط الواضح لالتزامات واشنطن الأمنية تجاه سيول بشروط التجارة الثنائية زعزع كل أسس مظلة الحماية. ولكن في هذا المجال أيضاً، تكبّل قيود كبيرة قدرة واشنطن على دعم سياستها المعلنة بشأن الحفاظ على نظام يقوم على قواعد في آسيا وغيرها من المناطق. وقد تجلى هذا الواقع بوضوح في "الاستدارة نحو آسيا" التي نادت بها إدارة أوباما والتي هدفت إلى تخصيص المزيد من الموارد الدبلوماسية والعسكرية الأميركية للحفاظ على الاستقرار في منطقة تتطور بسرعة. نلاحظ أيضاً على نطاق أشمل أن ثمة حدوداً بنيوية لقدرة واشنطن على الاضطلاع بالدور الأمني الذي تبنته في آسيا منذ الحرب الباردة، فقد بات وضع الولايات المتحدة الاستراتيجي موسّعاً بإفراط ويفتقر إلى التمويل، سواء في آسيا أو خارجها. يعتبر البعض في واشنطن أن الحل يكمن في زيادة إنفاق الولايات المتحدة الدفاعي إلى حد كبير بغية استعادة الجاهزية العسكرية بعد 16 سنة من حالة التأهب الدائم، فضلاً عن توسيع القدرات، وخصوصاً حجم الأسطول البحري الأميركي. فقد عكست سلسلة أخيرة من الحوادث في البحر مدى تراجع التدريب والجاهزية نتيجة جولات السفن وعمليات الانتشار المطوّلة. لكن مقالَين عميقين يعرضان الأسباب التي تُظهر أن من غير الممكن معالجة هذه المشاكل بإنفاق مبالغ أكبر من المال. يعتبر مايكل ج. مزار أن زيادة الإنفاق والابتكار التكنولوجي قد يحد من تفاقم هذه المشاكل على الأمد القصير، إلا أن هذا الحل ليس مستداماً. لذلك يدعو لإعادة موازنة وضع الولايات المتحدة الاستراتيجي بغية تقليص دور القوة العسكرية الأميركية التي تُمارس مباشرةً وتفضيل الأساليب غير المباشرة، مثل الشراكات الأمنية، فضلاً عن النفوذ الاقتصادي واللجوء إلى القطاع غير الحكومي، وكل ذلك بهدف تحويل البيئة الأمنية إلى ما يخدم مصالح الولايات المتحدة.

Ad

أما نيكولاس غفوسديف، فكتب خصوصاً عن التحديات التي تواجهها البحرية الأميركية، وأوضح أن التوتر بين الدور الأمني البحري العالمي والموارد المحدودة لا يُعتبر جديداً، إلا أنه ازداد بروزاً في العقد الماضي من خلال افتراضات استراتيجية لم تثبت الأحداث صحتها. صحيح أن توسيع الأسطول البحري ضروري، إلا أنه ليس كافياً، ويشدد غفوسديف على أن الدبلوماسية المبتكرة، بما فيها الخيارات المستندة إلى الأرض في الدول الشريكة التي تكون نقطة تمركز لمجموعات حاملات الطائرات، فضلاً عن استخدام الطائرات من دون طيار والسفن القديمة المعاد تأهيلها، "قد تساهم في سد الفجوات الفورية".

إنصافاً لترامب، لا بد من الإشارة إلى أنه ورث هذه القيود البنيوية التي تكبّل النفوذ الأميركي، وما زالت الولايات المتحدة تتمتع بقوة اقتصادية وعسكرية ضخمة، وستبقى كذلك في المستقبل القريب، لكن المراقبين في آسيا الذين يسعون إلى الحصول على التطمينات من جولة ترامب فقد يخيب أملهم بالرسول والرسالة.

* جودا غرنشتاين

* «ورلد بوليتيكس ريفيو»