هل يمكن الاعتماد على تركيا كبديل استراتيجي للعالم العربي؟ تساءل الباحث د. محمد سيد سليم في ندوة الحوار العربي- التركي بإسطنبول عام 2009 وأجاب بارتياب: من المؤكد أن تركيا دولة مهمة في الشرق الأوسط وآسيا، إذ يؤكد المختصون أن موقع تركيا كحلقة اتصال بين الغرب والشرق والشمال والجنوب والمسيحية والإسلام، "يجعلها قادرة على التأثير في بلدان تبعد آلاف الأميال من البوسفور، وتتمتع بنمو اقتصادي ثابت، وازدهار في صفوف الطبقة الوسطى، ولكنهم أضافوا أن تركيا تعاني الكثير من الصعوبات مثل ضغوط سكانية وبيئية وتحديات إثنية أقلّوية شديدة، ونهوض حركة إسلاموية أصولية، وهي جميعاً تلقي بثقلها على المؤسسات الديمقراطية الناشئة حديثاً".

وتساءل الباحث: هل تتوافر لتركيا المقدرات الاقتصادية والعسكرية التي تجعلها قوة إقليمية شريكة للعرب في تحقيق الأهداف المشتركة؟ الباحث "هاينز كرامر"، يقول د. سليم، "يحدد ثلاثة عناصر للقوة التركية هي: الاستقرار السياسي، والقدرات الاقتصادية، والقدرات العسكرية".

Ad

أعد "كرامر" دراسته عام 1996، وشهدت تركيا فيما بعد تطورات دعمت النتيجة، يضيف د. سليم كما تؤكد كل المؤشرات، "أن تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية راغبة بالفعل في بناء علاقات استراتيجية مع العرب، ولكن هذه الرغبة ليست مقصورة على العرب، ولا هي موجهة إليهم بالتحديد، إنما هي موجهة إلى كل الأقاليم التي تتعامل معها تركيا". ويقول الباحث في الشؤون التركية محمد نور الدين، "للقضية الفلسطينية موقع خاص في قلوب الأتراك يتساوى هنا العلمانيون والإسلاميون"، ولكن ما مدى التطابق السياسي في المواقف الدولية؟

يشير د. سليم إلى دراسة إحصائية عن مدى توافق التصويت التركي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة رقم 62-2007-2008، مع تصويت اثنتي عشرة دولة عربية، ويتضح من الجدول أن المعدل العام للتوافق بين تركيا والدول العربية بالنسبة إلى عموم القضايا، وصل إلى 72.14% ويقول د. سليم، "وهو معدل متواضع بالنسبة إلى حد 80% الذي حدده دارسو السلوك التصويتي الدولي للقول إن هناك توافقاً في التصويت بين الدول".

(انظر جدول القضايا ص 103-104 من كتاب الحوار العربي التركي- مركز دراسات الوحدة العربية).

والآن، ما العوامل المشجعة والدافعة؟ وما العوامل المعطلة للدور التركي كبديل استراتيجي بعيد المدى للعالم العربي؟

أول العوامل الدافعة في تحليل د. سليم، "وجود توافق عربي حول تركيا كبديل استراتيجي"- الدراسة كانت قبل أحداث الربيع العربي"- ويعتبر الباحث التركي "كمال كيريشي" من أهم الدارسين الذين رصدوا توجه العرب نحو تركيا كشريك وكنموذج وكوسيط. ويقول كريشي Kirici في كتابه Turkeys Foreign Policy in Turbulent Times "الشرق الأوسط أكثر تشوقا لبناء علاقات أوثق مع تركيا، فكثير من الإصلاحيين في العالم العربي ينظرون إلى تركيا كمثال يمكن استخلاص الدروس منه، كما أن هناك رغبة في بناء علاقات اقتصادية أوثق... والعرب اليوم مهتمون بدور الوساطة التركي مع إسرائيل أكثر مما كانوا أيام "أوزال" عندما عرض الدور نفسه".

ثاني العوامل المشجعة أن أوروبا والولايات المتحدة لا تعترضان على التحرك التركي نحو الوطن العربي، ويفسر د. سليم الحماس الأوروبي أنه ناجم عن إبعاد أوروبا لتركيا عن الاتحاد الأوروبي، ولذلك نجد هذا الاتحاد "حريصا على إدخال تركيا في مشروعاته في البحر المتوسط. من ناحيتها فإن الولايات المتحدة باركت التحرك التركي لتوظيف هذا الدور في تهدئه الغضب العربي إزاء السياسة الأميركية، وربما الضغوط على إيران لوقف برنامجها النووي".

ثالث العوامل أن إيران لا تعترض على الدور التركي في الشرق الأوسط، ويقول د. سليم شارحاً الموقف الإيراني من الدور التركي: "بالرغم من الاختلاف بين التوجهات الأصولية الإيرانية، والتوجهات العلمانية التركية ذات المسحة الإسلامية، فإن إيران لم تعترض على الدور التركي الجديد، ولم تعتبره منافساً لدورها، بل رأت أنه يعزز من توجهها للقيام بدور سياسي نشيط في الشرق الأوسط، وفي ذلك يقول أحد الدراسين الإيرانيين إن تنامي الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط، والقبول الواضح في العالم العربي لهذا الدور، لم يكن منافساً للدور الإيراني، بل يأتي لتعزيز السياق ذاته الذي دفع إيران إلى الاضطلاع بالدور الذي تقوم به منذ أكثر من عقدين... الدور التركي في الشرق الأوسط ينسجم مع توجهاتها، بالرغم من المفارقات الكبيرة التي تفصل بين المنهجية التركية في التعامل مع القضايا الإقليمية والتوجهات الإيرانية". (ص 106).

رابع العوامل في تحليل د. سليم لصالح الدور التركي، يقول، إن الصورة السلبية للعرب لدى الأتراك تتغير، ويضيف: "تقليدياً كانت صورة العرب لدى الأتراك سلبية نتيجة ميراث تطورات الحرب العالمية الأولى والسياسة الأتاتوركية، لكن هذه الصورة بدأت تتغير مع التسعينيات، ففي استطلاع للرأي العام التركي أجري في منتصف التسعينيات من القرن الماضي جاء فيه أن 72 في المئة من المبحوثين كان انطباعهم الأول عن العرب سلبياً، ولكن هذا الانطباع تغير، إذ قال 80 في المئة منهم إن رؤيتهم حالياً للعرب إيجابية، كما أن 72 في المئة يؤيدون تطوير العلاقات العربية-التركية".

خامس الإيجابيات لصالح نقاوة صورة تركيا في العالم العربي، كما يشرحها د. سليم، يقول إن حزب العدالة والتنمية لا يتصرف كحزب إسلامي، ويضيف شارحاً: "من الملاحظ أن حزب العدالة والتنمية حرص على طرح توجهاته الجديدة في إطار من القيم والمصالح التركية الرئيسية فالحزب لا يتصرف باعتباره حزباً إسلامياً، ولكن باعتباره حزبا قومياً تركيا علمانياً، ومن شأن ذلك الطرح طمأنة الحكومات العربية المعادية للإسلاميين، وقد قال نجم الدين أربكان إنه سبق أن عرض على بعض الحكومات العربية علاقات استراتيجية، ولكن تلك الحكومات تحفظت، ويرجع ذلك إلى الطابع الإسلامي القوي لحكومة أربكان". (ص107).

ماذا عن مستقبل توقعات د. سليم بخصوص السياسة شبه الليبرالية أو العلمانية لحزب العدالة والتنمية واحتمال استمرارها أو تراجعها؟

يرى بعض محللي السياسات التركية أن سلوك "حزب العدالة والتنمية" المتسامح، وعدم تصرفه كالأحزاب الإسلامية الأخرى، مجرد تظاهر بالاعتدال والعلمانية، وسلوك مؤقت، وأن هذا الحزب في جوهرة وحقيقة مراميه، يسعى إلى تنفيذ أجندة الأحزاب الإسلامية المعروفة كالإخوان المسلمين أو حزب التحرير، وأنه سيتغير ويظهر على حقيقته كلما ترسخ سلطانه، وهذا تحول نرى اليوم بعض بوادره في التراجع التدريجي عن الليبرالية والعلمانية في تركيا، وفي بسط نفوذ الإسلاميين في الإعلام والتعليم، وربما ازدادت هذه الهيمنة مستقبلاً.