ذهب النواب الذين سحبوا الثقة من الوزير إلى ناخبيهم متفاخرين بشجاعتهم وقدرتهم على طرح الثقة في وزير من الأسرة بعد أن أشبعوه أسئلة وتقريعا طوال يوم كامل، وتمددوا بعد ذلك في مراقدهم استعدادا للإطاحة بوزير آخر ثم آخر، ولكنهم في غمرة فرحة الانتصار لم يجيبوا عن أسئلة ناخبيهم عن سبب تخلي الحكومة عن وزيرها، وما تأثير هذا الانتصار أو غيره على مستقبل البلاد ومصالحها؟ وهل تحققت بالتخلص من هذا الوزير أو ذاك نهاية لمعاناة البلاد وتقهقرها وانحسار للفساد وبادرة مستقبل أفضل؟

هل يدرك النواب أساليب الإلهاء التي تمارس عليهم، وتركهم يقضون الشهور في السؤال والمناقشة والاستجواب ثم طرح الثقة؟ ألم يكتشفوا من النائب الذي تقف معه الحكومة، ومن الذي تتخلى عنه، وما الأسباب؟ ألم ير النواب سياسة تضييع الوقت وتمييع القضايا والخطة المستمرة لتمييع الديمقراطية والحقوق الأساسية للوطن؟ ألم يتعلموا شيئا من ستين عاما من تكرار الأساليب نفسها والأغراض نفسها؟

Ad

ألا يرى النواب كم نحن بعدنا عن أهدافنا الأصلية في استكمال تشريعاتنا بما يحمي البلاد ويطورها ويمنع عنها كيد الكائدين داخلها وخارجها، وتنقيح كل قوانيننا التي تحمي حرياتنا، وترفع سقفها، وتزيل أي اختراقات فيها تمس هذه الحريات، وتطوير تشريعاتنا التي تمكن الوطن من التقدم وتمنع الفساد والمفسدين؟ وهل وقف النواب وقيموا حصيلة السنوات الستين، وحددوا إن كنا تقدمنا أو تأخرنا؟ وما خطتهم للإصلاح؟

ألا يخجل نوابنا من استمرار قوانين ولوائح تمكن الحكومة من سجن إنسان عبّر عن رأيه في موقف أو تصرف مسؤول؟ وهل ضمائر نوابنا مستريحة وأمام المحاكم عشرات الشباب يحاكمون على كلمة قيلت في تغريدة في وسائل التواصل الاجتماعي؟

تمنيت لو أن الأوقات التي تضيع في الإعداد للتخلص من وزير أن يكون المجلس، قد أنهى القواعد الرئيسة لحماية نائب الشعب من الفساد والمفسدين، فمعظم المرشحين لمجلس الأمة يعلمون أن المفسدين يتلقفون المرشح قبل نجاحه وأثناء الحملة الانتخابية، ويتم إغراؤه بكل الوسائل ليكون بيدهم لو نجح. تجار سلاح وأصحاب شركات وممثلو أحزاب دولية وإقليمية ومندوبو سفارات كلهم يحاولون أثناء الانتخابات إغراء هذا المرشح أو ذاك ليكون عضوا يخدمهم ويخدم مصالحهم، ولا يهم إن كان هذا ضد مصالح الشعب وضد الوطن.

الناخبون يسألون بعد كل استجواب وبعد كل طرح ثقة في وزير: ثم ماذا؟ وماذا تحقق للبلد من كل هذا؟ أسقطتم وزراء أو أرغمتم الوزارة على تدوير وزرائها أو أغلقتم المجلس وعدنا لانتخاب أعضاء جدد. فماذا تغير؟ هل أصبحنا في وضع أفضل؟

حزين أنا على الشباب في هذا المجلس الذي أصبح تابعا بدل أن يقود التغيير للأفضل، بعض نوابنا القدامى أصبح الناس يعرفون تحركاتهم وأهدافهم، ويعرفون متى يضغطون ولماذا، وليس في أهدافهم غير مصالح أحزابهم وجماعاتهم وليس للكويت ذرة مصلحة في تحركهم.

يقولون كلاما كثيرا ويبهرجون ويزيفون الحقائق أو يلوونها من أجل مصالحهم، فمنذ بدأت الكويت الحديثة وهدفهم الأسمى هو التعليم والإعلام، ولعل الناس رأت عينة من نتاج أعمالهم عندما انكشفت في وزارة الأوقاف، الوزارة التي سلمت لهم على أساس أنهم الأفضل والأصلح لإدارة دور المساجد، فرأينا كيف استغلت واستنزفت لآخر مدى.

كما يعرف الناس من نائب الخدمات الذي همه الأول أن يعاد انتخابه؛ فيتخطى بواسطته كل القوانين، ويثير الحقد والغضب عند مستحق الخدمات أو الوظيفة التي سرقها هذا النائب، والحكومة ترحب بنائب كهذا لأنها تضمنه في جيبها ويصوت عند الحاجة كما تريد.

لكي نوقف اللعبة المتكررة لا بد من إعادة النظر في موضوع المساءلة والاستجواب وطرح الثقة، لتكن المحاسبة لرئيس مجلس الوزراء دائما عند ثبوت خلل لأحد الوزراء، بحيث يقف مع الوزير المعني على المنصة ويوجه له الحديث فيما فعله وزيره، لو اتبع هذا الإجراء فإن رئيس الوزراء سيكون حريصا ودقيقا في اختيار وزرائه وفي متابعتهم ومحاسبتهم قبل أن تصل الأمور إلى مجلس الأمة، وإن ترك الأمر كما هو فسيجعلهم يضحون بوزراء ثمناً لاستمرار اللعبة.

نحن نمر بفترة قلق عام وعدم استقرار، وكل ما حولنا ينذر بمخاطر جسيمة لا بد أن نستعد لها، فمع قوانين تجريم التجاوز والفساد في المال العام والخاص فإن المجلس لا بد أن يساهم في التوعية؛ أولا بمتطلبات المرحلة القادمة ثم التشريع لما يحمي مالية الدولة وتنميتها عن طريق دعم المواطن.

المواطن الآن يعترض على كل دعوة للمساهمة بجزء من دخله لسبب بسيط أن الهدر ما زال مستمرا، وأن المفسدين لا يجدون من يتصدى لهم، لكن لو أنجز المجلس تشريعا يوقف الفساد والهدر ويعاقب المفسدين فإن الناس جميعا ستقف مع برامج الإصلاح.

القضية يا سادة ليست في تغيير وزير أو حكومة، القضية هل نكون أو لا نكون، وهل لدينا الشجاعة والأمانة أن نضع الكويت أولا أمام أعيننا وأن نخلص لها في كل ما نفعله.