دائما ما يدور في ذهني هذا السؤال المُرّ: هل الكاتب، سواء كان مشهورا أم لا، إنسان سعيد؟ في أغلب الحالات التي عشناها وتعرفنا إليها نرى الكُتاب الحقيقيين وأصحاب الأفكار المغايرة هم الأكثر عُرضة للتعاسة والاضطهاد والسجن والنفي.

الكاتب الحقيقي هنا هو الذي يختار الكتابة، لا الإمارة، هو الكاتب الذي يختار الإنسان، لا الطاغية، هو الكاتب الذي يعرف أنه ضحَّى بسعادته ومستقبله أحيانا، أو حياته، دون أن يقف معه أحد.

Ad

الكاتب ليس صاحب ثورة وأتباع لها، لا يحمل سلاحا، ولا يجيد التصويب والإصابة، ولا يستمتع بثقب جلد الآدمي. وهو يعمل بصورة منفردة في أكثر الإحيان، وربما رافقه مجموعة من الكُتاب حول طاولة فقيرة في مقهى، ولا يسأل نفسه في منتصف الطريق؛ هل بإمكاني أن أعود إلى الوراء الآن؟

أغلب حياة الكُتاب الذين أعرفهم وأحبهم انتهت بمآسٍ، لا أستطيع أن أجزم أن الكتابة سببها، أو أنها نهايات كانت ستختلف لو أنهم اختاروا طريقا آخر غير الكتابة، وكانت حياتهم رواية جديرة بالكتابة، مقارنة برواياتهم التي اعتزلوا من أجلها الحياة كي يكتبوها.

آرنست همينغواي، وليم فولكنر، فرجينيا وولف، يوكيو ميشيما، سيلفيا بلاث، ستيفان زيفايج ومايا كوفسكي - بالمناسبة الكاتب العربي لا يموت منتحراً لأسباب سنراها لاحقا- هؤلاء الكُتاب قدَّموا لنا، ولي على المستوى الشخصي، أفضل التجارب الأدبية، وأفنوا حياتهم من أجل رسالتهم الإنسانية، لكن بعضهم عاش حياته بكثير من اليأس، اليأس من الانتصار وتحقيق الحلم الذي عاش من أجله، وبعضهم لم يجد ما يستحق العيش من أجله.

لا أجزم بأن حياة هؤلاء الأشخاص ستكون أجمل بعيدا عن الكتابة، لكنها الكتابة التي تستحيل إلى هاجس وداء لا يعرفه إلا مَن يمارسها. وهو الداء الوحيد التي قد ينهي حياتك حين تشفى منه، حين يتوقف عن السريان في دمك، فلا تجد ما يمارسه قلمك، حين ترتبط كلمة حياة بكلمة كتابة، فلا تستطيع التفريق بينهما. كنت في أشد حالات المرض ولا أريد للقلم أن يسقط من يدي، كان عليّ أن أُنهي روايتي (المسطر) التي أكتبها، وإن كانت الرواية الأخيرة، وإن لم أحضر نشرها وتوزيعها وتعليق القرَّاء عليها، كان داء الكتابة أشد فتكا من الداء الذي يعبث بخلايا جسدي، ولم أعرف حتى الآن كيف أجيب عن السؤال المُرّ: إذا لم تكن سعيدا، فلماذا تصرُّ على الكتابة؟

الكتابة ليست حالة فرح ولا نشوة، وليست لذة، لكنها الفعل الوحيد الملائم لما تعانيه من قهر وظلم، سواء كان ظلم سلطة، أو أفراد، أو كليهما معا. الكتابة هي الوعد الوحيد الذي تأخذه على نفسك بأن تقول ما يجب أن يُقال.

لن أقارن هنا بين الكاتب الأجنبي والعربي، ولا تهمني المقارنة، لكن الحقيقة أننا اعتدنا في أدبياتنا على أن موهبة الشاعر والكاتب هي طريقه للبلاط، وطريقته للعيش، والحالات التي تشذ عن تلك القاعدة تنزوي بعيدا، قد نعرف بعضها، ولا نتعرف إلى أكثرها. الذين استخدموا الأدب وسيلة للوصول، حتى وإن كانوا بنصف موهبة، لم يعد للإنسان وهمومه أهمية لديهم، رغم ما يعانيه هذا الإنسان من ويلات. هؤلاء الوحيدون الذين يجدون في الكتابة سعادة، ولن يصابوا بداء الكتابة ولا التشافي منه. لن يجدوا مبررا للتوقف، ولن يجدوا سببا حقيقيا يدعو للانتحار.