بغض النظر عن مصير الوزير العبدالله، فإن ما حدث في جلسة استجوابه تجربة أخرى بيّنت إخفاقاً جديداً لبعض النواب الشباب، ممن توسم الناس فيهم التغيّر والاختلاف، سواء من ناحية إظهار شخصية مميزة ومختلفة لهم ولأفكارهم، أو لأدائهم الاستعراضي، عمن سبقوهم، فالإعجاب واصل مع البعض إلى مرحلة التقمص المرضي، ويا ليته كان شيئاً يستحق عناء التقليد، فما حصل ليس إلا "شيل صورة طاحوس حط صورة كريم، شركة ودّي صيفي جيب حميدي"، وهكذا، أما بقية من أعلنوا مواقفهم فور انتهاء الاستجواب، فكان الأولى بهم التروي في اتخاذ مواقف سياسية يفترض أنها تبنى على حسابات دقيقة ومتأنية، وتداول ورؤية للمشهد بشكل كامل، لا أن تعلن بعد دقائق من استجواب استمر لساعات، وكأننا في تسابق لإرضاء أحد ما، أو لإثبات أمر مشكوك فيه، فهذا الاستعجال لا يمكن تفسيره إلا بأن الموقف محدد مسبقاً، أو أنه قد اتخذ كرد فعل عفوي اندفاعي، تحت وطأة ضغط الزملاء والجماهير، وكلا التفسيرين أسوأ من الآخر. آمنا بالله وقلنا "شباب" ويتمتعون بالحيوية والنشاط، لكنه ليس سباق جري، وما زال أمامكم أسبوع لتحديد موقفكم، وليكن في نفس الاتجاه، فنحن لا ندعوكم هنا لتغييره، ولكن دعونا فقط نثق بسلامة حكمكم، فلا داعي لهذه اللهفة على سماع كلمات "كفو وبطل و... "، التي قد تفرحكم الآن، لكنها قد تكلفكم الكثير لاحقاً، كما كلفت من قبلكم، فالطريق إلى جهنم مفروش "بالعِقل" المحذوفة، كما تعلمون.

من جهة أخرى، فإن الحكم بسحب الثقة من الوزير بمثابة إعدامه سياسياً، لذا فهو يتطلب على الأقل أن يكون مبرراً ومبنياً على أسباب واضحة ومعلنة، ترسي قواعد ومعايير للاستجوابات والمواقف والقضايا القادمة، لا أن تخلط الأوراق بشعارات مكررة وكلام مرسل مبني على الشك، والقول بأن "الوزير لم يقنعنا بردوده"، فكان يفترض بمن أيد سحب الثقة أن يعلن أسباب موقفه بالتفصيل الممل، إن أمكن، فمن حقنا أن نعرف دوافع وأسس موقفه، فهذا سحب ثقة، وليس "رؤية شرعية" حتى تتكلم بعمومية ولا تعلن أسبابك بوضوح وتستر عالبنت، وخصوصاً النائب الشاب الجديد، كي لا يسير على نهج العجائز الذين جاء ليصلح ما أفسدوه، فكان عليه أن يوضح الرد المتعلق بأي محور بالضبط، وتحت أي بند فيه بالتحديد، الذي دعاه لاتخاذ موقفه هذا، حتى يمكننا جعله معياراً يتم التقييم والقياس عليه، فنتمكن من محاسبة النائب ومراقبته ورصد تناقضاته هو وغيره في الاستجوابات والمواقف القادمة والسابقة، لا أن تترك الأمور هكذا ترفل بعز الميوعه والتداخل فيما بينها، فيتحدد استحقاق الاستجواب وطرح الثقة، في كل مرة، حسب المزاج أو المجاملات أو "التنفيعات" أو النسب لا أكثر.

Ad

هذا استجواب مَرّ، وغيره قادم بالتأكيد، ويبدو أن محاولات تغيير الوجوه والدماء لم تنجح بتجميل واقعنا السياسي للأفضل، كما نتمنى، فلا داعي لممارسة هواية الاهتمام المكثف، هذه المرة أيضاً، بتفاصيل بقاء الوزير أو الحكومة أو حتى المجلس من عدمه، بقدر ما يجب أن نحرص على التغيير من خلال ترشيد الممارسة وتقويم مساراتها المستقبلية، بالسعي إلى أن تكون المسطرة واحدة على الجميع من نواب ووزراء، ولا تظل الاستجوابات وسيلة من وسائل التهييج والشحن والتلاعب بيد الانتهازيين والأوغاد، يستغلونها ويبتزون بها ويتقافزون بين معاييرها القيمية علينا وعليكم كيفما يشاؤون.