هذا الزمن لم يعد زمنا للشعر، رغم تزايد عدد الشعراء، لكن ليس لشعرهم أي حضور قوي بالمشهد الثقافي، مثلما كان في أزمنته السابقة، حينما كان متوهجا ومحتلا لأعلى مكانة بالتواجد والحضور الثقافي، بل كان سيِّد وسلطان الندوات الجماهيرية، وأكثر ما يستقطب الناس لحضوره. أتذكر إحدى أمسيات الشاعر نزار قباني، التي أُقيمت بصالة جمعية الخريجين الكويتية، حيث فاضت القاعة بالحاضرين، حتى خارج البوابة، ولم يبقَ أي مقعد شاغرا فيها، وكانت الصالة تضج بالتصفيق لكل قصيدة يلقيها.

ذاك كان عصر سلطنة الشعر والسلطان الشاعر الذي تولى عرشه الأمير الشاعر بدر عبدالمحسن ونزار قباني ومحمود درويش... إلخ.

Ad

اليوم الشعراء لا يحصلون على ربع نجومية مَن سبقهم؛ لا بالشهرة ولا بالمادة، ومع هذا قدرهم أن يكتبوا الشعر، فماذا يفعل مَن يولد وفي روحه موهبة الشعر؟

قدره أن يكتب شعره، سواء حَظي بجمهور وشهرة، أم لم يحظَ بأي شيء منها. أقول هذا الكلام، بعد أن قرأت ديوان "خطأ إملائي" للشاعر المصري الشاب حامد صبري، الذي يتساءل عن مصير الشاعر في عالم لاهث ساحق لا اكتراثي، لا يلتفت إلى مَن يمتهن الشعر بزمن "التغول" والتوحش هذا، من بحاجة إلى الشعر، ومن يعبأ بشاعر؟: "ولا فهموا يوم أن شرحت لهم/ أن ذراعي ليستا سوى مجدافين/ وأنني لا أطير/ ولكنني أحمل السماء فوق رأسي كصخرة ثقيلة/ بائع البقالة الذي أخبرته أنني شاعر ظل يضحك نصف ساعة/ ثم أخبرني أن نصف كيلو الليمون يساوي ثلاثين جنيها/ أنا شاعر/ ثرثار جدا كحلاق/ لكنني/ على عكسه/ لا أجد من يسمعني سواي".

شعر حامد صبري مكتنز بصور حياتية غنية بأدق التفاصيل لواقع المجتمع المصري، ومشاكله الاقتصادية، على وجه الخصوص المنعكس تأثيرها على معيشة الناس والمتاعب التي يعيشونها، شعره تغلغل فيها عايشها حتى النخاع، وعكسها بكتابة حية بسيطة تخترق بسهولة الوجدان، بما تقدمه من هموم وأوجاع بشر لا يحس ولا يشعر بهم أحد: "هذه هي المشكلة إذا انك حي مثل دودة في ظلام/ لكنك لست دودة/ لن تستطيع أن تصادق لزوجة الطين ولا أن تتصالح مع برودته/ لكنهم يزعمون أنك خلقت هنا/ وأن هذا وطنك/ عليك إذاً أن تكون صديقا للموت/ ولأحذية المارة/ وفرك الحصى و"شكشكة" التراب. أو تعلم يا صديقي/ ليس علينا إذا/ أن نكره ذلك الذي وضعنا هنا/ بل الأفضل أن نكره/ ذلك الذي منحنا الحلم الملون/ كطريقة للخروج".

هذه الكتابة المليئة بتدفق الحياة وبحركة صورها النابضة بأصغر التفاصيل للأحاسيس والمشاعر التي يلتقطها قلب الشاعر في الواقع اليومي الدائر من حوله بكل كثافة، ليقطرها بهذا الشعر الغاطس والمبلل بحزن عميق لروح شفافة تقطر حزنها بالكلام: "في غيابك/ لا شيء يوجعني/ سوى أن تصحو على حائطي ساعة/ ويموت/ في حياتي/ الوقت".

من أجمل قصائد الديوان قصيدة "خيبة اسمها أحبك": امرأة صاخبة مثلك/ لا تليق برجل قليل مثلي/ رجل عادي في كل شيء/ لا يعرف الفرق بين الريحان والنعناع/ ويندهش/ في كل مرة تقررين فيها فتح عينيك/ بتلك الطريقة/ التي تغلق باب الشمس/ رجل مكرر/ يشبه البقال على أول شارعكم/ إلا في نظرته الحالمة/ وتلك الغيمة الصغيرة/ التي تظهر فوق رأسه/ كلما همست أحبك/ رجل ممل/ يقول أحبك بإفراط كأنه لا يعرف غيرها/ يكتبها على قميصه/ يخبئها في قنينة عطره/ يدهن بها شعره وشِعره/ يخبئها في خديه/ ثم يكشر لكل من حوله/ إلا أنت/ امرأة صاخبة مثلك/ لا تليق برجل قليل مثلي/ رجل يقسم وجه كرغيف خبز/ على كل رواد المقهى أمام بيتك/ ثم يذهب إليك بلا وجه/ منتظرا أن تعرفيه".

حامد صبري يخترق الواقع المصري اليومي، ويقدمه ببساطة وحميمة تجترح قلب القارئ: "ليست المشكلة/ في ابتسامتها/ التي ترقرقت من وجهها على قلبه/ وهي تسير في طريقها إلى الباص/ المشكلة كانت في أنه/ لا يزال مزروعا من ساعتها في نفس المكان/ منتظرا/ أن تقطفه".

نادرة قصائد البهجة الخالية من الوجع بديوانه، حتى حالات الحب فيها أيضا مغمسة بالشجن: "أحاول أن أحبك بخمسة جنيهات في جيبي/ سأشتري بأول جنيه/ زهرة من بائع الزهور تحت الكوبري/ وسأنسى حديث أمي/ عن أن الزهور/ تقليد رديء (لكيلو الجوافة)".