قطعتُ قاعات الطابق الأول من المتحف الوطني للفن (ما أعمق تأثير لوحاتها التي أمر بها سراعاً!) باتجاه معرض جديد بعنوان "انعكاسات: ﭭان آيْك وما قبل الروفائلية". الأول فنان يعود إلى مطلع عصر النهضة (توفي عام 1441)، والثاني مدرسة فنية ازدهرت في العصر الـﭭيكتوري. المعرض يحاول توكيد فكرة أن لوحة "ﭭان آيْك" الشهيرة ARNOLFINI PORTRAIT أثرت بعمق في المدرسة الـﭭيكتورية، وخاصة في استخدام المرآة الدائرة. لوحة "ﭭان آيْك" آية من آيات الفن دون شك (يمكن الاطلاع على اللوحة عبر الإنترنت)، وتأثيرها بالغ الوضوح. لكن المعرض لم يُرضِ ناقد جريدة "الـﮔارديان"، الذي يجد حيفاً في مجرد المقاربة بين لوحة عظيمة بكل مقاييس الفن، وبين مدرسة يعتبرها "أكبر عملية احتيال في تاريخ الفن، في ادعاء استيحاءاتها الثقافية، الشعرية والفنية الزائفة". نقاد الصحف الأخرى لم يخطر ببالهم مأخذ كهذا.

حين استعرضتُ لوحات المعرض لم استطع إغفال تأثير الموقف النقدي في الصحافة عليَّ. نعم، أحسست بسحر لوحة "ﭭان آيْك" يدب في كياني: سحر الألوان، وسحر الهيمنة على التوازن، وسحر الواقعية التي لم تستطع أن تُخفي التطلعات التي تتجاوزها باتجاه الغموض الميتافيزيقي، شبه الديني. أحسست بذلك، رغم أني رأيت هذه اللوحة مرات عدة، في مكانها الثابت بالمتحف الوطني. على أن هذا الضرب من السحر تلاشى مع لوحات المدرسة الـﭭيكتورية بالتأكيد، رغم بهرجة ألوانها، واستثارة المضامين التي تنطوي عليها. لكني ارتضيت المقاربة في هذا المعرض، لأنها تقتصر على بيان التأثير الذي استلهمه أصحاب المدرسة المابعد روفائيلية، الذي بدا لي ملموساً. فالمعرض منبّه تعليمي، إن صحت العبارة. وكما وجدتُ المقاربة بين اللوحة المُفردة وبين أعمال الفنانين نافعة، كذلك وجدت المقاربة بين الموقفين النقديين المتنافرين. فلمَ لا أذهب للمعرض الفني معبأً بموقفين متعارضين؟

Ad

في اليوم التالي ذهبت إلى عرض فني، لكن على الشاشة الفضية هذه المرة. فيلم جديد عن حياة ﭭان ﮔوخ بعنوان LOVING VINCENT. والجانب الفني الطريف في العرض، هو اعتماده الرسوم المتحركة التي نُفّذت بأسلوب ﭭان ﮔوخ ذاته. فأنت الآن لا تجلس أمام لوحة تتشكل من ضربات خيوط لونية حادة التوهج ولا تهدأ، كما ألفتها مع لوحاته في قاعات العرض، ولكن أمام تدفق لوني لآلاف اللوحات تتلاحق لتشكل حركة تنتظم فيها مشاهد وقصة حياة.

الفيلم ينصرف إلى بضعة شهور من حياة الفنان ﭭان ﮔوخ، حدثت فيها محاولة انتحاره التي انتهت بوفاته. يعتمد تحقيقاً يستغرق الفيلم كله، يسعى فيه الشاب المُتشكك "آرماند رولِن"، الذي أوصل رسالة الفنان إلى أخيه "ثيو"، إلى معرفة حقيقة موته. هل هي انتحار أم جريمة قتل من قبل شاب مُختل؟ (أول مَن أثار هذه الشكوك ﮔريـﮔوري وايت في كتابه عن ﭭان ﮔوخ، صدر عام 2011). ﭭان ﮔوخ على فراش موته يعترف بأنه قتل نفسه عمداً، لكن البحث عن الحقيقة يقترح تأويلات أخرى: ربما قال ما قال بفعل الإرهاق والضجر، أو رغبة في أن يجنب الحي وأبناءه متاعب لاحقة، أو أن يجنب نفسه مذلة هذه النهاية البائسة.

لم أرتح لفكرة أن ينصرف فيلم عن الفنان، عُمل بهذه الطريقة الفنية جداً والجديدة جداً، إلى تحقيق شبه بوليسي بالغ الجدية، وعلى مدى زمني قصير من حياة هذا الكيان الفني الذي أحب الحياة برقة ملاك، فنهشت حبه بالمخالب. كنت أطمع أن تنصرف هذه الجهود التشكيلية البارعة إلى حياة وفن ﭭان ﮔوخ، وخاصة أن الفنانين، وتعدادهم 125، الذين أسهموا تحت إشراف المخرج ورسام الكاريكاتير البريطاني هيو ويلتشمان، أنجزوا 65.000 رسم، كل مجموعة مستوحاة من لوحة لـﭭان ﮔوخ. من جانب آخر، هناك ممثلون أدوا أدوارهم في الحكاية بصورة أولية، ثم خُططت لقطاتهم على الكانفس، ورُسمت لوحة لوحة. النتيجة تحفة فنية على هيئة فيلم كارتون، أو فيلم كارتون على هيئة تحفة فنية، تتطلب أكثر من مشاهدة.