العنوان أعلاه هو ردي على سؤال أئمة المساجد والخطباء عن ثقتنا بهم، بعد رفضهم تطبيق نظام البصمة، والذي أعتقد أنه يتفق فيه معي الكثيرون، فكونك قد قبلت أن تخرج من قانون الأجر الإلهي، ورضيت بأن تدرج اسمك في كشف الأجر الدنيوي الخاضع لقانون الخدمة المدنية، فلا مجال بعدها للكلام عن الثقة بموظفين يطلقون على أنفسهم لقب "رجال دين"، ويرفضون الالتزام بالقواعد التنظيمية والإدارية للدولة، ففي هذه الحالة ربما يجب أن يوجه السؤال لهم "بالمعكوس"، فما الذي يخشاه "رجل الدين" المنضبط بعمله، والملتزم بمواقيت صلواته من وجود البصمة؟!

ما ترونه الآن هو مجرد مثال ومقدمة بسيطة لما سينتج لدينا عندما نطبق "الدين" وفق آليات البيروقراطية الحكومية، عوضاً عن أن يكون حالة روحية وقلبية حساسة وشفافة ونقية خالصة لوجه الله، تنعكس على الأخلاق والسلوك اليومي بين البشر، فبدلاً من أن يغلب الجانب التطوعي الصادق على أعمال الإمامة والخطابة وتحفيظ القرآن، لما فيها من طابع واحتياج لروحانية وبساطة، وتدبر خال من المطامع والشوائب، صارت لدينا إدارات ونقابات للخطباء، ودور لتحفيظ القرآن تتبع لإدارة في وزارة، وكل ذلك يكلف الدولة إيجارات ومبان ورواتب وكوادر وموظفين وإجازات وترقيات ومرضيات ومنافسات بين موظفين و"رجال دين"، وغير ذلك من طبائع العمل الإداري الحكومي، في سبيل إدخال المواطنين الجنة!

Ad

فمنذ أن دخل التفسير الاقتصادي إلى الدين، وتحول من حالة روحانية داخلية صافية مباشرة بين العبد وربه، تنعكس على السلوك فتهذبه وتجمله، إلى حالة تجارية استثمارية قائمة على التركيز فقط على تعداد الحسنات بشكل محاسبي دقيق، افعل كذا ولك عشر حسنات، اضربها في سبع، والناتج سبعمئة، وافعل كذلك ولك مثلها، وبدلاً من أن ينعكس أثر التدين من الداخل للخارج، حرصنا على الخارج فقط، ورأي الآخرين بنا، وتجميع الحسنات السهلة -كما نعتقد- أكثر من حرصنا على صلاح أنفسنا وأرواحنا من الداخل، فأصبح التدين مظهراً من مظاهر التميز الاجتماعي والحصول على المكانة أو السمعة "الطيبة" أمام الآخرين، والآخرين يريدون سمعتهم أن تكون طيبة أمام الآخرين، وهكذا آخرين أمام آخرين، وكل ذلك في سبيل الحصول على كلمة والنعم الزائفة، وتركنا دواخلنا كما هي ترفل في أثواب الجاهلية بل وأسوأ، فعلى الأقل كفار قريش كانوا أكثر وضوحاً وشجاعة في إعلان كفرهم، أما نحن فنفعل ما هو أسوأ منهم، ونبرره باسم الدين بكل سرور وأريحية ورضا، ثم قطها براس عالم "ما يبي يبصم" واطلع منها سالم، وبعدها ننتظر الزيادة في رصيد حسناتنا الجاري الذي سيدخلنا الجنة، لذلك ما كان من الحكومات، بعد كل هذا، إلا التدخل لضبط آليات "السوق"، كأي سوق آخر، وتنظيمه، ومن ثم التحكم فيه وفي مخرجاته وأدواته من أئمة وخطباء ومحفظين و"رجال دين"، والاستفادة منها، أو التحالف معها وتجييرها لمصلحتها عند الحاجة.

وبعد كل ذلك تجد ذات الذين يباهون ويفتخرون بأن مجتمعنا إسلامي محافظ يشتكون بمرارة من الفساد وزيادته في السنوات الأخيرة، ويدعون سعيهم الدؤوب إلى محاربته لدرجة تشعر معها من كلامهم أن هناك نوعين من المخلوقات يعيشان في الكويت، وهم المحافظون الإسلاميون الورعون الذين لا يخطئون أبداً، والذين يملأون المساجد والساحات في رمضان والأعياد، ومخلوقات أخرى فضائية تمارس الفساد الحكومي والإداري والسياسي والمالي ولا أحد يعرفها أو يراها!