يعد المسرح مرآة الواقع يعكس مشكلات وقضايا المجتمع، يطرح الأزمات ويلقي الكرة في ملعب المتلقي، ليحاول الوصول إلى الإجابات، ولكن هل تكفي النوايا الطيبة لصنع مسرح؟ بالتأكيد لا، فلعبة المسرح لها قواعد وأصول الخروج عنها يشوه أي عمل، حتى وإن كان يتناول قضية محلية تحولت إلى ظاهرة، هكذا كانت الحال مع مسرحية «مراكب الموت» للورشة الجوالة المسرحية السودانية، والتي قدمت عرضها على مسرح التحرير بكيفان ضمن فعاليات مهرجان الكويت لمسرح الشباب العربي، من تأليف ربيع الحسن ومن إخراج ماهر حسن وتمثيل أبوبكر فيصل ومرتضى حسن وإسراء أزهري وحسين عثمان وسناء السعيد، أزياء وأكسسوار مهيرة الطيب ومساعدة مخرج سلمى يعقوب.

لا يختلف اثنان على أننا بصدد مهرجان شبابي عربي وملتقى لتبادل الخبرات وللتجريب والمنافسة لتقديم الأفضل، وإذا سلطنا الضوء على السلبيات، فإن الهدف تصحيح المسار وليس الانتقاص من جهود شباب في مستهل المشوار، كان العرض السوداني أقرب إلى مجموعة مشاهد مجمعة من سهرة تلفزيونية يعتمد على حوارات الممثلين في غياب شبه تام لعناصر اللعبة المسرحية، سينوغرافيا فقيرة تفتقد ديكورا يخدم الفكرة أو إضاءة ذات دلالة درامية ربما كانت نقطة الضوء الوحيدة الأزياء والموسيقى والمؤثرات، لكونهم من وحي التراث السوداني الغني ويعبرون عن الموروث الشعبي للدولة الإفريقية، ولعل هذه المعطيات تحيلنا الى تساؤل مشروع، أين دور المخرج؟

Ad

معاناة الفتاة العربية

أزعم أن المخرج كان منفذا فقط للنص، ولم يوفق في توظيف أي من عناصره، حتى التمثيل الذي يعد أقوى أدوات المخرج كان أداء الممثلين نمطيا تقليديا، طغت عليه المبالغة، وافتقد الممثلون التعايش مع شخصيات المسرحية، وربما الاستثناء الوحيد كان لإحدى الممثلتين التي لعبت دور النادلة كانت تعبر عن معاناة الفتاة العربية التي ترفض أن تفرط في عرضها تحت أي ظرف.

أما على مستوى النص، فقد طرح قضية محورية مهمة في السودان، وأغلب دول الشمال الإفريقي وهي الهجرة غير الشرعية، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، وافتتح الكاتب عمله بمشهد رمزي يعكس ضياع مجموعة من الشباب، وهم يحملون طبولا ترمز الى تمسكهم بتراث وطنهم، بينما يضحكون تارة ويبكون تارة أخرى.

ومن ثم يدخل في صلب الموضوع، حيث يتطرق إلى تهافت الشباب على الفرار من واقعهم لمطاردة حلم الثراء في العواصم الأوروبية، ولكن أغلبهم يقضي غرقا قبل أن يستنشق نسيم الحرية المزعومة، وصاغ الكاتب فكرته من خلال خمس لوحات تحكي خمس قصص مختلفة، يربط بينهما شبكة المهربين والمتاجرين بأحلام الشباب الذين يدفعونهم إلى الهجرة مقابل تقاضي أموال حتى لو كان الموت في انتظارهم وليس حلمهم.

صرخة

ويدق الكاتب ناقوس الخطر ويطلق صرخة في محاولة لإيقاف رحلات الموت عبر مجموعة لوحات يشارك فيها خمسة ممثلين، هم سيدتان وثلاثة رجال في سرد قصة مهاجرين أفارقة يحاولون عبور البحر المتوسط بعد قطع مسافات شاسعة في الصحراء السودانية، وصولا إلى ليبيا ومنها إلى ايطاليا، وهم يحملون طبولا كرموز إفريقية، ولكل منهم حكاية، فقد دفع شاب أموال الرحلة من بيع كليته، بينما عملت امرأة نادلة، مما جعلها لقمة سائغة بين أفواه معدومي الضمير والإنسانية، وشاب آخر تربى في ملجأ فقرر الهروب من واقعه، والشاب الثالث كان مغنيا يتطلع إلى تحقيق حلم النجومية، وسيدة حاولت الهجرة عبر الطرق الرسمية، لكن طلبها قوبل بالرفض.

وفي لوحات العمل الخمس نعيش مأساة الأبطال، فكل منهم يحكي عن أحلامه وتطلعاته وكيف انهارت في وطنه، مما دفعه إلى خوض هذه المغامرة القاتلة باستثناء السيدة التي ترفض الهجرة بالطرق غير الشرعية، لتعبر هي عن صوت الضمير، عندما تصرخ فيهم ألا يقتلوا أنفسهم عبر البحر، كما مات الآلاف من الشباب غيرهم، في حين يحتشد الشباب في المركب، ويقومون بالتجديف صامين آذانهم عن صرخات السيدة، مدفوعين بهاجس الحلم البعيد، إما ينجحوا في تحقيقه أو يلقوا حتفهم.