أثارت شائعات اندماج بيت التمويل مع البنك الأهلي المتحد (البحرين) حفيظة الرأي العام بين ناقد ومؤيد، فهناك من يقول إن مثل هذه العمليات تضر بصغار المستثمرين وتفيد بعض الملاك على حساب المال العام المتمثل في استثمارات الهيئات الحكومية، إضافة إلى أنها ستضر بمبدأ المنافسة لأنها ستخلق كيانا من الصعب على البنوك الأخرى منافسته، وهناك من يؤيد مثل هذه العمليات لأنها تخلق كفاءة في السوق عن طريق تكوين بنك يعد من أكبر البنوك الإسلامية في المنطقة مما يعود بالنفع على منتجاته وملاكه وعملائه.

ومن دون الدخول في تفاصيل هذه العملية تحديداً، يجب أولا فهم إيجابيات وسلبيات عمليات الاندماج والاستحواذ عموما، وهل هي أفضل أم أسوأ للمستثمر، للعميل، أو للسوق ككل؟

Ad

إن وجود سوق خصب لعمليات الاندماج والاستحواذ مهم جداً للاقتصاد ككل لفوائده العديدة، فعلى سبيل المثال يعد هذا السوق من العوامل المهمة لتطوير حوكمة الشركات ومنع استغلال موارد الشركة من قبل الإدارة على حساب المستثمرين، ذلك لأن وجود مخاطر أو احتمال الاستحواذ على الشركة يعطي دافعا للإدارة للعمل لمصلحة المستثمر، مما يؤدي إلى كفاءة

ومنتجات أفضل، مما يعود بالنفع على المساهمين وحتى المستهلكين وبالتالي الاقتصاد ككل، لذلك فإن وجود "خطر" الاستحواذ قد يفقد الإدارة عملها مما يعطيهم حافزاً للعمل لمصلحة المستثمر، وهذا ما يطلق عليه علماء التمويل The Market for Corporate Control.

قيمة مضافة

كذلك من أهم دوافع الاستحواذ هو خلق قيمة مضافة جديدة synergy، فالشركات تستحوذ عادة على شركات أخرى لخلق قيمة لم تكن موجودة لها من قبل، وهذه القيمة تأتي من خلال طرق مختلفة، كأن تأتي عن طريق تكلفة أقل لصناعة المنتج فيما لو تم الاندماج، والتكلفة الأقل قد تؤدي الى سعر أقل، وبالتالي فائدة كبيرة للمستهلك، كذلك هذه القيمة ممكن أن تأتي عن طريق التعلم من خبرات الشركة المستهدفة في حال تم الاندماج، وفي حال اندماج البنوك فإن هذه القيمة قد تأتي عن طريق انخفاض تكاليف البنك بعد الاندماج والقابلية إلى التوسع إلى أماكن جغرافية جديدة بتكلفة أقل.

هذه الفوائد لعمليات الاندماج والاستحواذ تفيد الاقتصاد ككل لا محالة، فحوكمة الشركات من الأمور المهمة حالياً التي تسعى الحكومات دائما إلى تطويرها والعمل بها، كما أن وجود سوق لعمليات الاندماج والاستحواذ يمثل طريق غير مباشر لتفعيل حوكمة الشركات، مما يحفظ حقوق المساهمين وأصحاب المصلحة من الشركة ككل، كذلك خلق القيمة المضافة من الاندماج يدفع الاقتصاد إلى مزيد من الكفاءة، وبالتالي يؤدي ذلك إلى النمو وخلق منتجات وحتى وظائف جديدة، مثلا اندماج بنك أوف أميركا Bank of America مع ميرل لنش Merrill Lynch في صفقة قدرت بـ 50 مليار دولار عام ٢٠٠٨ كان أحد أهم أسباب تجنب أزمة مالية كبيرة في الولايات المتحدة.

مخاطر الاندماج

ولكن في المقابل، هناك مخاطر لا يمكن تجاهلها من عمليات الاندماج والاستحواذ، إذ إن أحد أهم هذه المخاطر هو الإخلال بمبدأ المنافسة، لأن عدد الشركات المتنافسة سيكون أقل بعد الاندماج، مما قد يؤدي إلى رفع الأسعار والاحتكار وعدم الكفاءة (في حال كانت المنافسة في السوق قليلة أصلا كقطاع البنوك أو الاتصالات مثلا)، حتى بالولايات المتحدة هناك مخاوف حالياً من تطور هذا السوق بشكل كبير بالسنوات الأخيرة، حتى دعا أحد أعضاء الكونغرس أخيرا لمراجعة قوانين منع الاحتكار Antitrust laws وتفعيلها بالشكل المطلوب.

كذلك هناك مخاطر من تضارب المصالح إذا كان للاستحواذ دوافع أخرى غير خلق القيمة المضافة، فالأبحاث في مجال التمويل تؤكد أن عمليات الاستحواذ تضر بالمستثمرين إذا كانت دوافعها شخصية أو لمصلحة أحد المساهمين على حساب غيرهم، لذلك نرى غالباً أن الشركات المستحوِذة تقل قيمتها بعد الاستحواذ إذا كان للاستحواذ مآرب أخرى غير اقتصادية، لذلك تجب مراعاة ذلك عند تشريع قوانين للحوكمة، فمثلا، شركة Olympus الشهيرة دخلت في عدة صفقات استحواذ مشبوهة عام 2011 لتخفي خسائرها (أكثر من مليار دولار)، مما دفع القائمين في اليابان على مراجعة الكثير من قوانين الحوكمة إلى المزيد من الشفافية.

سلاح ذو حدين

مما سبق يتبين أن سوق الاندماج والاستحواذ سلاح ذو حدين، فهو من الممكن أن يمثل طريقاً غير مباشراً لتطوير حوكمة الشركات وكذلك يخلق قيمة مضافة وكفاءة للسوق ككل، ولكن في المقابل فهو من الممكن أن يزيد من احتمال الاحتكار والإخلال بالمنافسة وتضارب المصالح.

لعل الأمر الإيجابي الملاحظ في السوق الكويتي أن هيئة أسواق المال قد تنبهت لذلك عند إعداد اللائحة التنفيذية لهيئة أسواق المال، فقد وعت الهيئة إلى أهمية تطوير سوق الاستحواذات فشجعته ووفرت له البيئة الخصبة لتطويره، دون الإخلال بمبدأ المنافسة والاحتكار، مع إحاطته بالضمانات اللازمة لتفادي تعارض المصالح، وذلك حفاظا على حقوق المساهمين، حيث حظرت اللائحة التنفيذية على عضو مجلس إدارة الشركات الداخلة في الاندماج أن يصوت في مجلس الإدارة إذا كانت له أي مصلحة في الاندماج، كما نصت على استقلالية من يتولى تقييم أصول الشركات المندمجة بألا تكون له مصلحة مباشرة أو غير مباشرة، أو حتى أي تعامل مع الشركات المعنية، ولكن يبقى التطبيق هو المهم، ولا شك في صعوبته وحساسيته، خصوصا إذا كان المال العام طرفا فيه وسيتأثر من قراراته.

* باحث زائر في جامعة كاليفورنيا - بيركلي

أستاذ مساعد في قسم التمويل والمنشآت المالية في كلية العلوم الإدارية - جامعة الكويت