إذا أراد أحدهم أن يُشعر الآخر بأنه يعرف عنه ما لا يعرفه الآخرون، فيقول له: "نسينا ما كلينا؟!"... يعني: أنا كاشفك.

وفي مصر يقول له: "ما احنا دافنينو سوا". وهناك من يقول: "على هامان يا فرعون"... إلخ.

Ad

سأروي لكم اليوم حكاية ما حدث معي في "نسينا ما كلينا".

***

• في أوائل خمسينيات القرن الماضي، انتقلت من عامل يحمل سلماً في دائرة الكهرباء، إلى مراسل في إدارة المالية، وتصادف أن أحد أبناء الجيران في فريج البلوش، واسمه حمزة، كان يعمل مراسلاً في المالية هو الآخر، فكنا نخرج في الصباح لعملنا معاً، ونعود عند نهاية الدوام معاً، وبحكم هذه الزمالة كنت أنا وحمزة شبه صديقين، ونتقاسم الطعام معاً لعدة سنوات، إلى أن رُقيت من مراسل الى عامل بدالة (telephone operator)، بحكم معرفتي لبعض الكلمات الإنكليزية... فكان حمزة يطل عليَّ في غرفة البدالة بين حين وآخر:

- "إيش فيك ما قمت تاكل معي... نسينا ما كلينا؟!".

- يا عزيزي حمزة، ظروف العمل لا تسمح لي بأن أترك البدالة لمشاركتك الطعام.

• بعد ذلك بسنوات قليلة نُقلت للعمل في قسم العلاقات العامة، فاقتضت طبيعة هذه الوظيفة إحداث تغييرات في هندامي وعلاقاتي، إذ أستقبل ضيوف الوزارة الأجانب ممن يلتقون كبار المسؤولين.

وكلما صادفني حمزة ردد بصوت عالٍ وساخر: "نسينا ما كلينا؟!".

• ثم انتقلت للعمل في المسرح والإذاعة والتلفزيون، وأصبح اسمي يتردد ضمن النشاطات التي أساهم في تقديمها... وكنت أقوم بزيارة أصدقائي في المالية، حيث صار حمزة يعمل في بوابة الوزارة، فأول ما ألتقيه أرحب به بكل نية صافية وصادقة، لكنني أتلقى منه:

- اسمع يا نجم، ترى أنا عارفك زين... مو صايرلي مشهور حسبالك "نسينا ما كلينا؟!".

• بعد أن تخرجت من القاهرة، وعدت للعمل في التلفزيون، وساهمت بتقديم بعض البرامج، من بينها برنامج يصور أفراح العيد في الكويت، حيث كنت أتنقل بالكاميرا من مكان لآخر، في الأحمدي، صادفت حمزة ضمن الجمهور... أقبل بالسلام عليّ أمام الجميع، ليتفاخر أمامهم بأنه من أصدقائي القدامى، مما أسعدني، ثم استأذنته لكي أكمل عملي... لم أكن أعلم أن ذلك سيستفزه:

- شدعوة... تكبرت؟!.. "نسينا ما كلينا؟!".

• عدت من أميركا، وعملت لفترة مدرساً في الجامعة، الى جانب كتابتي اليومية في الصحف، ثم انتقلت بعد سنوات للإقامة في بريطانيا، ولكنني لم أنقطع عن زياراتي للكويت بين حين وآخر.

• وفي إحدى تلك الزيارات، طلب مني أحد الأصدقاء أن ألقي محاضرة في ديوانيته، فرحبت بالفكرة، وذهبت بصحبة الصديق المرحوم رضا الفيلي، وكانت الديوانية تغص بالحضور، ومن بينهم حمزة، الذي رفع يده طالباً السؤال، بعد أن أنهيت محاضرتي:

- أحب أقلك يا أخ نجم، ترى أنا ما نسيت، إذا كنت أنت نسيت!

•هنا وجدت نفسي أجيبه بطريقة انفعالية:

- أخ حمزة، هل أنا مسؤول عن غبائك؟! إذا أنت لم تفتح كتاباً واحداً في حياتك، هل ذلك ذنبي؟! أنت لم ترضَ لنفسك تجاوز حدود مراسل، فما ذنبي أنا؟!

• ووسط دهشة الحضور، أحب أقول لك: "نسينا ما كلينا"!