لطالما تمتعت فرنسا بعلاقة سلسة مع حلف شمال الأطلسي، صحيح أن معظم قوات هذا البلد المسلحة مسرورة لأن فرنسا تشكّل عضواً في هذا الائتلاف، إلا أن الكثير من دبلوماسييه يعتبرون أن مشروع الاتحاد الأوروبي يظل ناقصاً ما دامت الولايات المتحدة الضامن الأبرز للدفاع عن القارة. نتيجة لذلك تكثر الإشارات في وثائق الاتحاد الأوروبي إلى الحاجة إلى "استقلال استراتيجي"، ويشكّل هذا التماساً من الطبقة السياسية في باريس وغيرها يحض الاتحاد الأوروبي على السعي للاضطلاع بدور حلف شمال الأطلسي في مرحلة ما.

كسر ماكرون التفكير النمطي الفرنسي في خطابه عن مستقبل الاتحاد الأوروبي في 26 سبتمبر، فقد بدت اقتراحاته الدفاعية الثلاثة (اقتراح إنشاء "قوة تدخل" تابعة للاتحاد الأوروبي الذي تصدر عناوين الأخبار، الدعوة إلى وضع ميزانية دفاع خاصة بالاتحاد الأوروبي، والتمني على القوميين في الاتحاد الأوروبي أن يكونوا أحراراً والخدمة في القوات المسلحة في أي دولة عضو) مضبوطة بدقة لتؤجج الحماسة في قلوب الأوروبيين، متفاديةً في الوقت عينه الخلاف العقائدي مع حلف شمال الأطلسي.

Ad

أثارت الدعوة إلى إنشاء ميزانية دفاع خاصة بالاتحاد الأوروبي استغراب البعض على جانبَي الأطلسي، مع أن الرئيس الفرنسي كان يرجو رد فعل مختلفاً، وبدا أن ماكرون يقترح أن تجمع دول الاتحاد الأوروبي أموال الدفاع في صندوق واحد، لكن هذا ليس صحيحاً، وفق المطلعين على أفكار ماكرون، ففرنسا نفسها لن ترضى بانتقال صلاحية مماثلة. أراد الرئيس الفرنسي توسيع صندوق الدفاع الأوروبي، الذي يشارك في تمويل عمليات شراء المعدات العسكرية، وزيادة جمع الأموال المستخدمة لتعويض النفقات التي تتكبّدها الدول الأعضاء خلال عمليات الاتحاد الأوروبي، وقد تحمّل هذه الخطوة الأولى خصوصاً فائدةً مباشرةً تتخطى الاتحاد الأوروبي.

تشمل العقبات التي تعوق العمليات المشتركة عدم تمتع الدول بالميل نفسه إلى المخاطرة أو الرد ذاته تجاه المفاجآت التكتيكية، فقد أقرّ ماكرون بهذه الاختلافات العقائدية في خطابه في السوربون، ورغم ذلك قد يكون للتبادلات العسكرية فوائد عدة، فعلى الأمد القصير تساعد هذه التبادلات المسؤولين العسكرين في الاطلاع على طريقة تفكير القوات المسلحة الأخرى. وعلى الأمد الطويل، فيما يرتقي هؤلاء المسؤولون سلسلة القيادة ويبدأون بأخذ القرارات بشأن جيش بلدهم، نلاحظ أن العقائد والأفكار تتقارب.

لم يشر ماكرون في خطابه في السوربون إلى "الجيش الأوروبي" أو "الاتحاد الدفاعي الأوروبي"، كما اقترح رئيس المفوضية الأوروبية في خطاب حالة الأمة الذي ألقاه عام 2017. في المقابل يبدو أن ماكرون يرسّخ الميل الجديد الذي أطلقه الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، علماً أن هذا الأخير أمر بعودة المسؤولين العسكريين الفرنسيين إلى بنية القيادة في حلف شمال الأطلسي، منهياً بذلك حقبة من السياسة الديغولية. ترتبط خطوة ماكرون مباشرةً، على ما يبدو، بالتوسّع غير المسبوق في الالتزامات العسكرية الفرنسية، فضلاً عن تنامي القلق في أوروبا قبل دونالد ترامب من ألا تستمر قوة الولايات المتحدة. كلما عززت فرنسا مسؤوليتها عن الدفاع عن نفسها وعن إخوانها الأوروبيين، تراجع الطيف العقائدي الذي ترى من خلاله علاقتها مع هذا الائتلاف، ولا شك أن الخلافات بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ستتواصل في مسائل مثل سياسة الصناعة الدفاعية أو الحاجة إلى مراجعات منفصلة لقدرات الدول الأعضاء الدفاعية، لكن هذه تظل خلافات من الممكن ضبطها، هذا إذا اعتُبرت مهمة أساساً، لكن التوافق في المسألة الأهم، مسألة مَن سيضمن دفاع أوروبا، ستشكّل بالتأكيد مصدر راحة كبيراً.

* توماس فالاسيك

* «كارنيغي أوروبا»