"الجنة في الكتابة"، كما قال الشاعر الكبير قاسم حداد، وأظن بما يشبه اليقين أن الشاعر يكتب ليبقى خالداً في جنته الصغيرة، يكتب حتى لا يجد نفسه خارج ترف الكلمات، وثراء الصور، وتضاريس المعاني، وجنون الأخيلة، وجموح الاكتشافات في داخل ذاته وخارجها، وجنوح تأملاته، وإغراء السفر على جناح حلم بلا خريطة طريق!

يكتب الشاعر لدهشته الشخصية، ومتعته الشخصية، ولإنبات الريش في أصابعه، وتشييد أبراج الحمام بين ضفتي أضلعه، وتزيين حديقة قلبه الخلفية بالهارب من السماء من النجوم والشهب والملائكة المتمردين على رتابة الفعل.

Ad

يكتب الشاعر لابتكار بحره الخاص به، ليملك حرية اختيار نوع أسماك ذلك البحر وأعشابه ومحاره وصخوره وألوان أشرعة القوارب التي تمخر عبابه، بل وحتى غرقاه!

الكتابة لذّة شخصية بحتة للشاعر نفسه، قد يشاركه آخر لذة ما ينتج، وقد لا يجد أحداً يشاركه هذه اللذة والمتعة، إلا أن هذا لا يسلب الشاعر متعته في الكتابة، ولن تتوقف هذه المتعة على مشاركة آخر لها، فالكتابة ليست كمثل مَن يعدّ طبقاً من الطعام ويقدمه لشخص آخر، وينتظر ردة فعله الإيجابية تجاه ما تناوله، لتكتمل متعته. فالشاعر تكتمل متعته باكتمال نصه، وبعدها ينام هو قرير العين، فيما "يسهر الخلق جرّاها ويختصم" كما قال المتنبي، أيقونة الشعر العربي.

إن أي متعة يجدها شخص آخر غير الشاعر في النص، هي متعة إضافية، وقد تكون عند بعض الشعراء متعة فائضة عن الحاجة يمكن الاستغناء عنها. الإشكالية، أن هذه الإضافة الفائضة عن الحاجة تمنح نفسها سلطة لا تملكها، وليست حقاً مشروعاً لها على النص، ولديها إيمان قاطع بأن لديها الصلاحية المطلقة بتوجيه الشاعر لإنتاج ما يمتعها هي، ويروق لذائقتها وهواها، ويناسب خيالها ومزاجها الشعري، وكثيرا ما تجاوز الأمر التوجيه، ليصل حدّ الإرهاب الشعري، في محاولة لانصياع الشاعر ورضوخه لهذا المطلب الجماهيري.

والسؤال هو: لماذا يتخيل الجمهور أنه يملك هذا الحق المطلق في أن يفرض شروطه على الشاعر، ليضمن مشاركته متعة نصه؟! لماذا لا يكتب الجمهور قصيدته التي يشتهيها، والتي تحقق له متعته، ويترك الشاعر يكتب ما يشاء؟! لماذا يتربع الجمهور على عرش من ورق لم يخطّ فيه حرفا، ولم يعصر من ماء مقلتيه قطرة من الحبر فيه؟! كيف تأتى لهذا الجمهور أن يصيغ وهماً من الذهب، بأن الشعراء وُلدوا ليمتعوا مزاجه الشعري فقط، وأن غاية الشعراء في الحياة هي التنافس فيما بينهم، لكسب رضاه وإرضاء غروره، وأن المكافأة الكبرى للنص هي الحصول على "تصفيقة" إعجاب حارة منه؟! هل كان سوق عكاظ بداية لهذا الوهم الذي تأصّل، فأصبح إرثاً غير مستحق للسيد الجمهور؟!

المحزن، أن بعض الشعراء سلّموا بهذا الوهم، طائعين مخلصي الإيمان به، وأجَّلوا متعتهم في الكتابة، آملاً في الحصول على متعة الجمهور قبلها، وكثير منهم مَن خسر لهذا السبب متعة كتابة الشعر والشعر معاً!