كان العرض استثنائياً مزج أصالة الماضي بروعة الحاضر، جمع بين الإبداع والترفية والاعتزاز بالموروث، فأطرب المسامع شعراً وغناءً، وأبهر الأعين عرضاً ورقصاً وسحر القلوب نغماً وفناً. تمكَّن عرض "مذكرات بحار" في ما يقارب 90 دقيقة من تحويل الكويت إلى بلد صناعي، بعد أن نجح في صناعة البهجة بعمل مسرحي سينمائي وغنائي، ليستحق بجدارة أن يكون فخراً للفن والثقافة الكويتية.

لم يقبل المشرفون على مركز جابر الأحمد الثقافي أن تكون بداية الموسم الأول لفعالياتهم تقليدية، بل سعوا إلى التميز وعملوا بدأب لتكون "بدايتهم مسك"، فانبرى لتحقيق هذا الهدف مدير العمليات في مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، فيصل خاجة وفريق عمله المشارك في تنفيذ فكرة العرض المجدد لــ"مذكرات بحار" الذي قدم مساء أمس الأول برؤية معاصرة، فغاصوا في أعماق الماضي لاستخراج هذه الدرة الثمينة ليرتقوا بها من عمق الماضي إلى قمة الحداثة، فجاءت فكرة تقديم عمل يتقاطع مع التجارب العالمية في "مسرح الكودك" بهذا النوع من الفنون الذي يمزج بين مشارب متنوعة وألوان مختلفة من الفنون، ويمنح الخيال فرصاً ليصبح واقعاً، بل لقد راقص الخيال الواقع في أجواء فاتنة حلقت بخشبة المسرح والجمهور فرحاً وإبهارا بجناحي الإثارة الحركية والمشاهد الحوارية، فكان عرضا خلابا لا يُمَلّ تكرار مشاهدته.

Ad

نص مذكرات بحار، الذي برع مؤلفه الشاعر المرحوم محمد الفايز بأن جعل منه ملحمة شعرية وطنية تحاكي حقبة من تاريخ الكويت، كتبه على لسان جدة عجوز تروي لحفيدها حكاية عن مرارة الحياة التي عاشها الكويتيون قديما، في سعيهم لكسب لقمة العيش على ظهر سفنهم بين أمواج البحر أو في قعره بحثاً عن اللؤلؤ، لترسم كلمات الجدة، بعبقرية، مشاهد وصوراً بديعة في مخيلة حفيدها.

جاء أداء الممثلين لأدوارهم في العرض، وهم مريم الصالح "قماشة الجدة" وفيصل العميري "نشمي" وآلاء الهندي "سبيكة" وعبدالمحسن القفاص "راشد" وشيخة الهندي "قماشة" وهند حسن "منيرة" ومحمد عبدالرزاق "بوسند" وعبدالمحسن الحداد "سليمان" وبدور النكاس "فوز" ولؤلؤة التورة "ضي" وطلال المطيري "النوخذة" وعلي الناصر "المجدمي"، متقناً ومقنعاً في تجسيد مشاهد الذكريات التي ترويها الجدة، وبإيصال أحاسيس البحارة في حزنهم وخوفهم وأشواقهم، وصراعهم مع الظروف والذات وطموحاتها.

كان العرض مبذراً في نشر البهجة، فمع روعة المفردة وفخامة الأداء كان هناك 75 موسيقيا من فرقة مركز جابر الثقافي برئاسة الدكتور أحمد الصالحي، بين عازف موسيقي وإيقاعي وكورال يقودهم المايسترو د. محمد باقر ومدرب الكورال د. حمد المانع وخالد النوري كموزع للموسيقى، تألقوا في لوحة غنائية قدمها سلمان العماري ومطرف المطرف والشابة الرائعة آلاء الهندي بمشاركة متميزة من الفنان القدير عبدالعزيز المفرج (شادي الخليج) الذي "أنشد الهولو على ضهر السفينة" فاستقبله الجمهور بدفء مشاعرهم تقديرا واحتراما له، وكان العمل بكامله بمثابة تكريم لهذا الفنان القدير الذي عاد للتو من رحلة العلاج معافى.

ولأن "الرقص في حرم الجمال... جمال"، فقد أشعلت الرقصات التي شارك فيها 34 راقصا وراقصة بالإضافة إلى 9 راقصين من فرقة الماص، المسرح جمالا وتناغما مع الإيقاعات "والأصوات" برقصات معاصرة متأثرة بالرقصات الكويتية التقليدية، أتقنوا رقصها فرقصت مع أجسادهم قلوب الجمهور فرحا بعمل فني فخم تكبد المخرج الرائع للعمل يعرب بورحمة عناء أن يخرجه بهذا الشكل البديع متخطيا كل الصعاب والتحديات ليتفوق بإخراج العمل في أبهى صورة بتفاصيله قبل مجمله، وما كان لهذا أن يكتمل بهذا الإتقان لولا استعانة فريق العمل بعدد كبير من الفنيين والمهنيين ذوي الشهرة العالمية الذين تم الاستعانة ببعضهم من الخارج، ناهيك طبعاً عن الجهاز الإداري الذي أدار كل هذا العمل بتفان وجدارة ليثبت للجميع أن الكويت ولادة وأن أبناءها مبدعون، إن هم حصلوا على الفرصة والدعم.