ليس من الصعب إغلاق مصنع عقب اجتماع عاصف تتكشف فيه الحقائق الرقمية للملاك بأن الأمور تسير نحو تحقيق الخسارة المؤكدة إذا استمرت العملية الإنتاجية دون إجراء عملية تصحيح فوري، مثل هذه الإجراءات من الممكن القيام بها إذا كان الأمر متعلقاً بمصنع للزجاج أو الأقمشة، ولكن هل يمكن اتخاذ الإجراء نفسه وتحقيق الأثر الفوري مع مصانع تنتج التطرف والإرهاب وكل مستلزماته القابلة للتصدير مثل خطابات الكراهية والكوادر المهيأة لإنشاء بؤر التوتر حول العام؟

أعتقد أن الدروس المستخلصة من الحرب في أفغانستان (1979– 1989)، كفيلة بالإجابة عن السؤال السابق، خصوصاً أن تبعات تلك الحرب والحروب التي سارت في طريقها نفسه مثل الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك منتصف تسعينيات القرن الماضي تؤكد أن قرار إنشاء مصانع التطرف لخدمة أهداف مرحلية شيء والقدرة على إغلاقها شيء آخر، ولعل أحد العوامل المشتركة البارزة في الحروب الشبيهة بالحرب الأفغانية المصطبغة بالصبغة الدينية هو الوهم بالقدرة على السيطرة على مصانع التطرف بعد نهاية الغرض منها، إذ سرعان ما تم اكتشاف أن خطوط الإنتاج لا يمكن إيقافها بعد تزايد الممولين والأهداف المرحلية لأطراف أخرى، وما الأحداث التي تدور من حولنا في المنطقة العربية سوى دليل متجدد على الإجابة السابقة.

Ad

منظومة تواجه منظومة

لا يمكن لأي دولة القيام بجميع الأدوار والمهام تجاه الأفراد والمجتمع، خصوصا ونحن بصدد الحديث عن الدور المطلوب من الأدب في مواجهة الإرهاب، وفي الوقت نفسه من المهم التأكيد على أهمية وجود مساحة كافية من الحرية وفضاء العمل غير الرسمي الذي يتمتع باستقلالية مقنعة، بهدف خلق بيئة توعية مضادة للإرهاب تحاربه بأدوات عميقة التأثير مثل المسرح والدراما والرواية والشعر والقصة القصيرة والرسم والأغنية، إن تلك الجهود مهما كانت ضئيلة فإنها كفيلة بإنشاء منظومة تسامح مضادة بالتوازي مع المنظومة الرسمية لسد الفراغ الكبير الذي تبرع التنظيمات الإرهابية في استغلاله واستثماره في تجنيد أكبر عدد من الشباب.

إن الأدب يقف كعنصر غير فاعل إذا كان مقيدا بقيود الرقابة أو التوجيه، كما أن أدواره لا تكتمل وأفكاره لا تصل إذا نزع من منظومة التعليم التي تشكل خط الدفاع الثاني بعد الأسرة في مواجهة كل الأفكار المتطرفة، إذ بقدر ما يزرع النظام التعليمي من فكر متسامح في الأجيال الجديدة تكون النتائج إيجابية على صعيد الوقاية المبكرة من انزلاق شطر منهم في دروب التشدد، والحرص على انتقاء الأعمال الإبداعية لإدراجها ضمن المقررات الدراسية المبكرة كفيل بترسيخ القيم المتسامحة التي لا تقبل بوجود الأفكار المتطرفة.

ويمكن القول بشكل آخر إن المواجهة الأمنية مع التطرف والسعي إلى تجفيف مصادر تمويل الإرهاب ومحاصرة منصاته الإعلامية وغيرها من الإجراءات المطلوبة لا تكفي وحدها لمواجهة الإرهاب، لأنها ببساطة شديدة إجراءات لاحقة لخطر لا يمكن القضاء عليه بدون إجراءات استباقية طويلة الأمد مثل التعليم وزراعة التسامح.

فهم الأجيال الرقمية

قد لا أكون وحيدا فيما أشعر وأفكر عندما أسأل نفسي هذا السؤال، كيف يستطيع الإرهاب تجنيد الكثير من الشباب عن بعد وإرسالهم إلى المجهول من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؟ إنني أشعر بالتعجب الممزوج بالحنق كلما طرحت هذا السؤال المحير الذي يقود إلى المزيد من الأسئلة المحيرة، كيف استطاع الإرهاب فهم الشباب والتحولات التي طرأت على أفكارهم في حين عجزت الكثير من الدول بكل مؤسساتها وقدراتها على الرصد والتحليل عن استيعابهم واستثمار توجهاتهم؟!

من المؤكد أن هناك حلقة مفقودة أو ربما غير مفهومة لتفسير ما يحدث، خصوصا مع حالات الشباب الذين يعيشون في حياة مستقرة اجتماعيا وجيدة من الناحية المعيشية، الوضع يزداد حيرة وغرابة مع الشباب الذين يمثلون الجيل الرابع من المهاجرين المسلمين في بعض الدول الأوروبية ممن لا يعرفون الكثير عن بلدانهم الأصلية أو القضايا التي تمس المسلمين في بلدان بعيدة عنهم، هؤلاء نجح المتطرفون في اجتذابهم من خلال رسائل إعلامية مركزة دون الحاجة للاحتكاك المباشر معهم!

إذاً التحدي الأكبر الذي يواجه الدول التي قررت محاربة الإرهاب هو فهم التحولات العميقة التي طرأت على الأجيال (الرقمية) التي باتت تفضل رؤية العالم من خلال شاشات الهواتف الذكية لا عبر أدوات تقليدية ربما كانت تؤثر في الأجيال السابقة التي كانت تتقبل التطور البطيء في ما ينتج من أدوات الحياة العصرية، أما اليوم فسمة العصر هي السرعة والمنافسة الشرسة في السوق، وربما كان التحدي الذي يفوق التحدي السابق هو فهم تلك الدول لنفسها وفعالية أساليبها في قراءة المستقبل وكيفية تسويق ما لديها من أفكار ومشاريع.

إن الحيرة تزداد عندما نعاين حالة التناقض بين الانتعاش الشبابي في الإقبال على الرواية وبالاتجاهين (التأليف والقراءة) ولا نجد لذلك الانتعاش أثرا في خلق مجتمع صحي يواجه الأفكار المتطرفة من منطلق أن القراءة تساهم في (تكبير) العقول وشحنها بالأسئلة الواعية، فهل يا ترى أغلب ما ينتج يعاني الرداءة والخلو من الرسائل المبطنة التي تدعو إلى بناء مجتمعات سليمة ليس للتطرف مكان فيها؟

إن رواية مثل (الزلزال) للروائي الجزائري الطاهر وطار على سبيل المثال لا الحصر، حاربت التطرف في زمن مبكر، إذ صدرت عام 1974م، لو صدر ما يوازيها في الوقت الحالي لحققت الكثير من الاهتمام والفائدة، صحيح أن الرواية لا تكتب كما يكتب المقال اليومي، ولكن أليست ظاهرة انتشار الأفكار المتطرفة منذ أربعة عقود بكل تفاصيلها من محطات قد أصبحت قديمة وزاخرة بكل ما يمد الخيال الروائي من شخوص وأحداث؟ إذاً ما الذي ينقص الروائيين الشباب في زمن الطفرة المعلوماتية من صياغة أعمال تحارب الإرهاب كل حسب رؤيته الخاصة؟ هل انشغلوا بالكتابة السريعة التحضير؟ أو توجد لديهم رؤية جديدة لم تتبلور بعد؟ ربما لا نزال نحن عاجزين عن فهم واستيعاب ما يفكر به شباب اليوم.

إعلان حرب مستحقة

أن تكون أديبا ومثقفا وفنانا فهذا يعني أنك تقف عند خط المواجهة الأول ضد الإرهاب، ومواجهة الفكر المتطرف ومحاولة التأثير في المجتمع حرب لا بد أن يخوضها الأديب والمثقف والفنان وكل مبدع من خلال أدواته التي يجيد استخدامها وتوظيفها، خصوصا أنهم يمثلون بأفكارهم النقيض الطبيعي للمتطرفين الذين لا يعترفون بأي قيمة جمالية أو أخلاقية تصدر من غيرهم.

في الختام وضمن السياق نفسه لدي سؤال أخير: هل المواجهة مع الإرهاب اليوم تعد خيارا قابلا للنقاش؟