شكراً لكوريا الشمالية! لا شك أن إطلاقها أخيراً صاروخاً فوق اليابان إلى المحيط الهادئ يبرهن أكبر إخفاقات الديمقراطية الغربية في الأزمنة المعاصرة، يسقط صاروخ إضافي في المحيط الهادئ، لم يمت أحد، ولم تُغز أي أراضٍ، ولم تُطلَق أي تهديدات، بل شهدنا قعقعة سيف بالٍ الغاية منه تحقيق هدف واحد: إذلال الغرب الذي يسهل إذلاله، وهذا ما حدث بالفعل.

تقوّض كوريا الشمالية السلاحَين الأقل فائدة في الشؤون الدولية: الإساءة الشفهية والعقوبات الاقتصادية، فمن الواضح أن الإدانات الفارغة التي تتعرض لها بيونغ يانغ من واشنطن، ولندن، والأمم المتحدة، وحتى حليفيها اليائسين روسيا والصين يولّد لدى حاكم هذا البلد المستبد والواهم كيم يونغ أون فيضاً من السرور. فيستطيع أن يفجّر القنابل ويُطلق الصواريخ إلى البحر، ومن ثم يجلس ويشاهد أقوى الأمم على الأرض وهي تفجر في موجة غضب لا طائل فيها، فتزأر الفأرة المرة تلو الأخرى.

Ad

لا شك أن الطرح القائل إن العقوبات التجارية تدفع بالسياسة نحو الأفضل في الدكتاتوريات البدائية غير صحيح بكامله، إذ تُظهر الأدلة خلال السنوات الخمسين الماضية أنها تفقر، وتعزل، وتؤصّل، وتحجر، وتطيل، بل تكافئ هذه العقوبات المقرّبين من الحكم الأغنياء وتؤذي الشعب الفقير، فقد اتضح ذلك عند اعتمادها في التعاطي مع كوبا، والعراق، وأفغانستان، وزمبابوي، وبورما، وليبيا، وروسيا، والكثير غيرها.

على سبيل المثال يعتبر كثيرون أن العقوبات أطالت حكم البيض بنحو عقد من الزمن في ما كان يُعرف آنذاك برودسيا وجنوب إفريقيا. إذاً تشكّل العقوبات الهجوم الأقل كلفة الذي يولّد شعوراً جيداً، ورمزاً للأخلاق العالمية التي تعتبر «أن من الضروري القيام بأمر ما».

تقوم الخطوة الفضلى، التي يمكننا اتخاذها بشأن كوريا الشمالية، على تجاهلها، فلا تملك هذه الدولة مصلحة منطقية في قصف اليابان والولايات المتحدة، وإذا أقدمت على أمر مماثل، فسيكون ذلك انتحاراً، أما إذا أراد الغرب حقاً إحداث تغيير في كوريا الشمالية فعليه تحقيق ذلك من الداخل لا بفرض العقوبات، يجب أن يقصف هذا البلد بالتجارة، وأن يفسده بالاحتكاك، وأن يرشو ويستميل أجهزته وعائلاته، وأن يبادل طلابه، وأن يغزو عاصمته. يجب أن يفضّل مجموعات القوى البديلة على الكتلة العسكرية الجامدة، كما يحدث ببطء في الصين اليوم، فلا يكمن عدو الحكم الدكتاتوري الشيوعي في القوة العسكرية بل في الرأسمالية، لذلك أوقفوا الحرب الكلامية وجرّبوا السلام الاقتصادي، وهذا ما بدأ أوباما بذكاء القيام به في إيران وكوبا، مع أن ترامب يحاول راهناً عرقلته.

في هذه الأثناء تستطيع الصين الاسترخاء فيما يصوّر ولدها الربيب المعتوه الأسبوع تلو الآخر حالة الارتياب التي تعيشها الولايات المتحدة نمرا من ورق، وتدرك أنه ما من سياسي، حتى ترامب نفسه، سيمحو كوريا الشمالية كوسيلة للتهديد، لذلك تستطيع كوريا الجنوبية واليابان مواصلة شؤونهما كالمعتاد، فيما يفكّر الغرب في مرادفات أكثر قسوة لعبارة «غير مقبول».

إذاً طالما أن الغباء هو السائد سيستمر كيم يونغ أون بالظهور مبتسماً على الصفحات الأولى.

* سيمون جنكنز

* «الغارديان»