يمكن القول بدءاً إن المرأة في عصر شوقي ظهرت في صورتين، وكان الشاعر يشخص فيهما، كلاً على حدة، ويدبّج حول كل صورة ما يعنّ له من آراء وخطابات، أغلبها انطباعية سطحية، لا غور فيها ولا عمق.

أما الصورة الأولى التي رأى فيها الشاعر المرأة وعاينها عن قرب، فقد كانت من خلال ما يحضره من حفلات راقصة واستقبالات تقام في قصر الخديوي، حيث تبدو له المرأة فتنة ظاهرة ومبذولة في الثياب والعطور، وفي القدود الممشوقة، والوجوه اللامعة، وفي الحضور المستجيب لكل ما تفرضه اللياقات الاحتفالية من تجاذب في الحديث، وأنس وودّ متبادل. أجواء تشبه ما رآه في باريس وأوروبا، حيث المرأة تبدو – للشاعر على وجه الخصوص – حضوراً جمالياً صرفاً، ومثيراً أولياً للنظر والحواس، تُراقَب بعدسة بصرية تقدِّر هذه القيم الجمالية (الظاهرة)، وتسكر بنشوتها، لكن تأبى أن تحيلها إلى قيم قلبية، أو تستجليها ببصيرة الدهشة والكشف.

Ad

لذا، نجد الشاعر محاصَراً ومصفّداً بأغلال التقليدية حين التعبير عن عناصر الجمال والحُسْن في المرأة. ويكاد يشابه هذا الشعر معظم ما قيل من غزل في باب النسيب في "الشوقيات"، وهو نسيب لم يستقِ إلهامه إلا من معين التراث وصوره وأخيلته، وخطابه المكرور حول العذل والصدود والمراوغات بين محب مقتول، ومحبوب جائر الفتنة يتلذذ بالفتك، مع كمّ هائل من تصاوير الجمال الجسدي والحركي المبذول للعين والحواس.

إلى جانب هذه الصورة الملونة للمرأة / التمثال، المبذولة للحسّ والغواية، تتوازى صورة أخرى عاكسة لواقع المرأة الحياتي في عصر شوقي. ويطل هذا الواقع الحياتي في الشعر كأحد الأغراض والطروحات الشعرية آنذاك، ونعني به ما يسمّى بـ"الشعر الاجتماعي"، أو بالأحرى "الشعر الإصلاحي". فقد شهد مطلع القرن العشرين دعاوى التنوير والإصلاح السياسي والديني والاجتماعي، متمثلة برموزها الإصلاحية ممن عاصرهم شوقي، كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين. وقد كان من نصيب الشعر لكي يجاري تلك الموجة الإصلاحية، أن يُدلي بدلوه في قضايا المرأة والفقر والجهل والتخلف عن ركب الحضارة الحديثة، وغيرها مما يقع في خانة "الشعر الاجتماعي"، وقد كان لهذا اللون من الشعر أعلام معروفون، كحافظ إبراهيم ومعروف الرصافي والزهاوي وغيرهم.

ويبدو أن أحمد شوقي أبى إلاّ أن "يكون له في كل عرس قرص"، كما يقول المثل، فخاض في مجال "المرأة" وواقعها الاجتماعي بنصوص نادرة برزت على استحياء وحذر.

إن الوقوف على بعضٍ من نصوص كُتبت في هذا المجال، ترينا لوناً من التأرجح بين التحفّظ والحيادية، وتطلعنا على حالة من المسايرة للأجواء الاجتماعية العامة حينذاك. فالشاعر في أوج عصر قاسم أمين ودعاواه لتحرير المرأة من الطمس الاجتماعي والمعنوي، لا يملك إلا أن يعظها ويخلص لها النصيحة في السير على نهج الأعراف الخلقية والدينية، وأن تحذر من مزالق الحرية! وإن كان هناك من حنوّ أو قلق لدى الشاعر على وضع المرأة الإنساني، فلم يتمثل إلا في الإشارات السريعة في نصوصه إلى بعض المظالم التي تصيب المرأة، مثل الحبس الجائر، وتعدد الزوجات، وزواج الشيخ من صبية، وعدم استشارة المرأة حين عقد القران. وكلها لمحات مقتضبة لا تجعل من شوقي داعية، أو حتى رمزاً هامشياً معبّراً عن زخم المرحلة ومَوَرانها فيما يتعلق بقضايا المرأة حينذاك.

ولعل شوقي غير ملوم حين يختزن ومن ثم يكرر هذه الصورة النمطية عن الحب، ووضع المرأة الاجتماعي، وهو سليل ثقافة تراثية واجتماعية تأسست على مفاهيم تتناسب ووضع المرأة المهمَّش أو المُغيَّب أو الأدنى في السلّم الطبقي.

إن نظرة تقييمية سريعة لكتابات الجاحظ، أو ابن الجوزي، أو حتى ابن حزم، ستذكّرنا بأن المرأة المحبوبة عادةً ما تكون جارية أو قينة، وأنها غالباً ما تُهيّأ للعب دور المعشوقة المغناج التي تتقن أفانين الإثارة والغواية، وتحصر الحب في مستوياته الحسية الدنيا.

وعليه، فالقيمة الإنسانية والقلبية لهذه المرأة تخفّ موازينها، ما دامت كياناً مملوكاً ومُستغَلاً، وفاقداً للإرادة والحرية، وبضاعة مُتبادَلة عبر الشراء والنخاسة.

أما إن كانت المرأة من الحرائر، فليس أمامها من سبيل نحو الإرادة والحرية فيما يتعلق بالحب، اللهم إلا عن طريق الوصف والخيال لا الرؤية. أما محاولة التغزل بالحرائر، أو إقامة أي صلة معهن، فينذر بسوء العاقبة، إن لم يكن بهدر الدم والقتل. وبين هذا وذاك من ألوان الحب المتعسف، والمرأة الشائهة الصورة والكيان، تبرز في كتب التراث ألوان من الحب الشاذ والمنحرف، الذي – للعجب– يجد مساحة من الاحتفاء والإقرار، بله التسجيل والتوثيق.