من أكبر المشكلات التي تواجه الدول هي عدم القدرة على التأقلم مع الواقع الجديد، ومحاولة تطبيق سياسات قديمة على واقع جديد مختلف تماما، ومن أبرز الظواهر على هذه المشكلة عدم تحمل سلطات بعض الدول آراء العامة، خصوصا مع التفجر الهائل لتكنولوجيا الاتصالات ومواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت آفاقا كبيرة للتعبير عن الآراء، فيبدو أن بعض الدول التي لم تعتد إلا على الانصياع الكامل والمديح المتواصل بمناسبة أو من دون مناسبة لا تتحمل أي رأي أو انتقاد ضدها، ولهذا نجدها تقدم الشكاوى حتى ضد مواطني دول أخرى ومن بينها بلدنا.

والعتب ليس على هذه الدول، بل على حكومتنا التي تستجيب لهذه الشكاوى وتقبل بمقاضاة مواطنيها من أجل هذه الدول! فليست مشكلتنا أن هذه الدول لم تعتد حتى على الحرية النسبية وسماع الانتقاد والرأي الآخر، خصوصا أنه لا توجد أي مادة دستورية تمنع إبداء الآراء في ممارسات دول أخرى. والمثير للحيرة والاستغراب الشديد هو استمرار صدور أحكام سجن ضد مواطنين لمجرد إبداء رأي، مع أن المحكمة الدستورية، وهي أعلى سلطة قضائية، قالت رأيها الواضح بهذا الخصوص وهو أن "حرية التعبير والرأي تجاه الدول لا تندرج تحت الأعمال العدائية ضدها". وأضافت المحكمة أن العمل لا يعد عدائيا ضد دولة ما إلا إذا اقترن بأفعال مادية كـ"جمع الجند".

Ad

لكن ما نراه يطبق عندنا هو العكس تماما، حيث يسجن من عبر عن رأي فقط في حين من جمعوا الغزاة والأموال لشراء الأسلحة ضد حكومة دولة شقيقة شاركت في حرب تحرير بلدنا الحبيب، وشاركوا في القتال على أرض تلك الدولة ضد حكومتها وبالصوت والصورة، ومن جهر علانية بتلذذه بالنحر وقتل الأبرياء ومنهم الأطفال، كل هؤلاء نراهم أحرارا طلقاء وهم ما زالوا أساتذة في الجامعة يربون الأجيال! ومنهم نواب في مجلس الأمة، وكلهم لم تقم الحكومة حتى برفع قضايا ضدهم، مع أن القانون واضح بهذا الشأن، وهو أنه "يعاقب بالحبس المؤقت الذي لا تقل مدته عن ثلاث سنوات كل من قام بغير إذن من الحكومة بجمع الجند أو قام بعمل عدائي آخر ضد دولة أجنبية من شأنه تعريض الكويت لخطر الحرب أو قطع العلاقات السياسية"!

لكن هذا ليس بغريب، فكل الأمور في هذا البلد مقلوبة، والأمور لا تسير على حسب القانون بل على المزاجية والضغط السياسي والإقليمي والتمييز وفقدان العدالة والمحاباة لهذا الطرف والفجور بالخصومة ضد ذاك الطرف.

والحل ليس بمعاملة هذه الدول بالمثل عبر رفع قضايا ضد مواطنيها الذين يسيئون لبلدنا (وما أكثرهم) بل الحل بوقف هذه الممارسة من الأساس. وعلى مجلس الأمة أن يقوم بتعديل تشريعي يمنع سجن أي مواطن بسب رأيه في سلطة دولة أخرى، فالعلاقات السياسية بين الدول أكبر بكثير من أن تتأثر برأي المواطنين العاديين بل حتى السياسيين المنتخبين ما داموا لا يمثلون رسميا حكومة بلدنا. وهذا الفضاء الإلكتروني سيزداد اتساعا ولن يوقفه سجن أي عدد من الأشخاص، فالعالم تغير، ومن يعتقد أنه يستطيع الحكم بطرق عفا عليها الدهر وشرب، فهو الخاسر مستقبلا!