في إيطاليا ونتيجة ظروف التقشف، التي مرت بها الفرقة، لم يكن لدى أمينة أموال تنفق منها، كانت تكتفي بالخروج إلى الشوارع لكسر الملل من الفندق الذي تقيم فيه وتعود إليه، وكان يرافقها بعض الوقت زميلها الممثل في الفرقة فتوح نشاطي، وذات مرة فوجئا بأنهما أمام أحد المسارح الكبيرة، ففكرا في دخوله لكن لم تكن بحوزتهما أية أموال، فما كان من نشاطي إلا أن سأل عن مدير المسرح، وعندما وصل إليه أخبره بأنهما ممثلان من مصر ويرغبان في مشاهدة العرض هذه الليلة فوافق مدير المسرح دون أن يحصل على تذاكر وجلسا في "البنوار".

تكرر الموقف مع أكثر من مسرح، وفي كل مرة كانت أمينة وفتوح يستمتعان بالعروض التي يشاهدانها فتحولت فترة انتظار انتهاء التصاريح من أيام مملة إلى أيام ممتعة، تمكنت أمينة خلالها من مشاهدة عروض مختلفة نقلت لها ثقافة المسرح الإيطالي، التي طالما تحدث عنها يوسف وهبي لفترات طويلة.

Ad

انتهت الإجراءات والأوراق، التي كانت تنقص السماح لهم بدخول البرازيل وغادر أعضاء الفرقة على متن الباخرة متجهين إلى البرازيل، حيث وصلوا أولاً إلى "ريو دي جانيرو" وعندما علم يوسف وهبي بوجود بوليس سري على متن الباخرة، اتصل بهم وأخبرهم بالمشكلة التي تواجه اثنان من أهم أعضاء الفرقة، وكانت المفاجأة تفهم البوليس للموقف والسماح لعضوي الفرقة المصابين بمرض في العين (حسن وقاسم)، النزول من المركب في الاستراحة، حيث استقلا القطار نظراً إلى صعوبة الإجراءات في مدينة "ساو باولو" على أن يلتقيا مجدداً مع الفرقة في الفندق الذي سيقيمون فيه، وهو ما حدث بالفعل حيث أقلعت الباخرة في موعدها ووصلت الفرقة في اليوم التالي، وكان الثنائي حسن وقاسم وصلا فعلاً واستقبلا الفرقة في الفندق.

مذاكرة الأدوار

خلال فترة الـ18 يوماً، التي مكثتها الفرقة في الباخرة من أجل الوصول إلى البرازيل كان الأعضاء يذاكرون أدوارهم، التي سيقدمونها، صحيح أنها مذاكرة لا تستغرق أكثر من ساعتين يومياً، لكن يوسف وهبي كان يشدد على أهميتها، فيما كانت أمينة الأكثر حرصاً على المذاكرة بصورة جعلته يطلب منها أن تستمتع بمنظر المحيط والاستماع إلى الموسيقى بالمساء على متن الباخرة العملاقة التي أقلتهم.

وصلت الفرقة وبدأت البروفات والعروض، وحظيت باستقبال حافل من الجالية العربية هناك، التي كانت على موعد مع سهرات متميزة قدمتها الفرقة حيث قدمت أكثر من مسرحية في الأسبوع، مما ساهم في امتلاء المسرح يومياً وسط إشادة جماهيرية واحتفاء بالصحف البرازيلية بالفرقة المصرية، التي تقدم عروضاً مميزة للمرة الأولى في البرازيل.

رحلة الفرقة كان يفترض أن تستمر شهرين على الأقل في البرازيل لكن الثورة الشعبية والإطاحة بالرئيس البرازيلي وقتذاك، جعلت الفرقة لا تقدم عروضها إلا لمدة أسبوع واحد، ليغادر أعضاء الفرقة البرازيل بعد ذلك متوجهين إلى الأرجنتين، التي شهدت هي الأخرى ثورة بعدها بأسابيع قليلة ليرافقهم سوء الحظ ويقرر يوسف وهبي أن تسافر الفرقة إلى أميركا الشمالية.

عاش أبطال الفرقة في البرازيل والأرجنتين في ظروف سيئة بسبب الثورات، ما دفعهم إلى الرغبة في العودة إلى مصر خصوصاً مع وجود عائق اللغة هناك، الذي وقف حائلاً بينهم وبين فهم كثير مما يحدث وعرض بعضهم للخطر لكن يوسف وهبي كان يطمح في استغلال فرصة قربه من أميركا الشمالية ليكون صاحب أول فرقة مسرحية مصرية تقدم عروضها هناك، بينما رفض الفنانون هذه الخطوة حيث اعتصموا في الفندق بالأرجنتين مطالبين بالعودة إلى مصر، فاستجاب لهم وعدَّل التذاكر لتكون الرحلة إلى مصر عبر استراحة قصيرة في جزيرة مالطا.

رحلة العودة

خلال رحلة العودة وبعدما استقر الأعضاء في غرفهم فوجئوا بأصوات في الخارج بمجرد تحرك المركب، دفعتهم للصعود على سطحها، حيث تبين أن الرئيس الأرجنتيني السابق معهم على الباخرة يحاول الهرب بينما يرغب الثوار في القبض عليه ووجهوا فوهات المدافع إلى الباخرة، وسادت حالة من الارتباك قبل أن يتم القبض عليه وإنزاله من الباخرة التي واصلت رحلتها بعد ساعات من الرعب إلى مالطا، حيث كانت الفرقة على موعد مع أزمة جديدة، إذ لم يكن الأعضاء قد حصلوا على تأشيرة دخول مالطا فلم يسمح لهم بالنزول عدة أيام، حتى تم احتواء الموقف وقاموا بالنزول وحجز مركب آخر إلى الإسكندرية ليعودوا عليها إلى مصر.

المؤكد أن يوسف وهبي خسر في الرحلة مالياً، فالرحلة التي استغرقت أكثر من 3 أشهر لم تعمل فيها الفرقة سوى أسبوعين فقط، حيث قدر خسارته بنحو 4 آلاف جنيه، وهو مبلغ كبير للغاية بمعايير هذه الفترة، ومع هذه الخسائر المادية وبكل تأكيد تبددت أحلام أمينة وزملائها في تحقيق مزيد من النجاح في دول أميركا اللاتينية.

زواج ينقذ الفرقة

كان لزواج يوسف وهبي من المليونيرة عائشة فهمي الفضل الرئيسي في عدم إفلاس الفرقة بعد الرحلة الفاشلة التي قامت بها، فعلى الرغم من متعة مشاهد مسارح إيطاليا لأمينة رزق التي زارت أوروبا للمرة الأولى وكذلك استقبال الجمهور لها في البرازيل والأرجنتين، لكن خسارة الفرقة الفادحة مالياً جعلت مؤسسها يقوم بإجراءات تقشفية لاستعادة التوازن مالياً مع بداية الموسم الشتوي، فما كان منه إلا أن قام بإعادة توزيع الأجور بالفرقة واحتفظت أمينة رزق بنفس الأجر الذي كانت تتقاضاه بينما تم خفض أجور ممثلين آخرين.

في أول يوم عمل بعد العودة من الرحلة الشاقة فوجئت أمينة رزق بكتابة قرار من يوسف وهبي على السبورة التي يدون عليها تعليماته للفرقة بأنها أصبحت بطلة الفرقة الأولى اعتباراً من بداية الموسم وهو القرار الذي أثار غيرة العديد من الممثلات اللاتي طمحن في الحصول على هذا الشرف العظيم بعد رحيل البطلات تباعاً قبل السفر، بينما كانت أمينة أصغرهم عمراً لكن أكثرهم موهبة، وهو ما دفع يوسف وهبي إلي الدفع بها لتكون في صدارة الفرقة وتصدى لحملات الانتقاد التي واجهته من داخل الفرقة وطلب من رافضي قراره مغادرة الفرقة لأنه لن يعدل عن قراره تحت أي ظروف.

جمع يوسف وهبي في تلك الفترة بين مهمتي الإخراج والتمثيل، وتميز بقدرته على إنجاز البروفات في وقت سريع، فكانت سرعته في الأداء تجعل المسرح يتحول إلى خلية نحل، فكان الممثلون ينتهون من بروفاتهم ويحصلون على راحة كافية قبل العرض في المساء على العكس من يوسف عيد – مثلاً - الذي كان يستغرق في البروفات وقتاً أكثر من المقرر، بسبب رغبته في التجويد واستغراقه في التفاصيل.

كانت أمينة في منتهى السعادة وهي ترى نفسها البطلة الأولى للفرقة، فرغم قيامها ببطولة الروايات، إلا أن حصولها على لقب بطلة الفرقة الأولى كان له وقع آخر في نفسها، فالفنانة الشابة لم تصدق ما حققته خلال سنوات قليلة من الوقوف على خشبة المسرح.

وراء الستار

استقر يوسف وهبي على افتتاح الموسم المسرحي بعرض "وراء الستار" وكانت أمينة البطلة لكنها شعرت برعب شديد خصوصاً مع ترقب الصحافة والنقاد استئناف عروض الفرقة بعد غياب أشهر، وتمكن الخوف منها بصورة كبيرة، وكان لديها خوف من التلعثم على المسرح، مما دفعها إلى الحديث مع يوسف وهبي من أجل الاعتذار عن عدم تقديم الدور وإسناده لزميلتها فردوس حسن، لكن وهبي الذي كان يعاملها مثل ابنته رفض اعتذارها بحزم، وطلب منها الاستمرار في الدور وإلا مغادرة الفرقة، وهي الجملة التي زادت من رعب أمينة وجعلتها تحلم بالدور حتى قدمته في أول يوم وحظيت بتصفيق حاد من الجمهور.

تواصلت النجاحات المسرحية لأمينة، وتوالت العروض المميزة التي تشارك فيها مع الفرقة فاستحقت أن تظل البطلة الأولى للفرقة سنوات، وكانت تبذل مجهوداً خارقاً في التحضير والبروفات، فكان يومها يبدأ في المسرح وينتهي فيه، بينما ترافقها والدتها التي لا تكل أو تمل من الوقوف بجوار ابنتها الوحيدة التي وهبت حياتها للمسرح.

أول فرصة سينمائية

توقفت عروض الفرقة خلال فترة الصيف بسبب سفر يوسف وهبي إلى أوروبا بينما جاءت لأمينة رزق الفرصة الأولى للتمثيل في السينما من خلال فيلم "سعاد الغجرية" حيث كانت السينما المصرية في مرحلتها الصامتة، وأنتج الفيلم من قبل شركة "الفيلم الفني المصري" التي كان يملكها ويديرها الإيطالي "أماديو بوتشيني"، والفرنسي "جاك شوتز" وهما فنانان عملا في بلادهما واستقرا في القاهرة لتقديم مشاريع جديدة والاستفادة من بدايات السينما المصرية لتحقيق أرباح في ظل الامتيازات التي كان يحصل عليها الأجانب داخل مصر تحت الحكم الإنكليزي، فأماديو بوتشيني هو مطرب إيطالي عمل في بعض الفرق المسرحية هناك قبل أن يمتلك دار عرض "متروبول" بالقاهرة بينما شوتز قدم فيلماً صامتاً في السينما الفرنسية قبل أن يأتي للقاهرة ويتعرف على بوتشيني ويتشاركاً في تأسيس الشركة.

الشركة الوليدة كانت تسعى للبحث عن ممثلين يقومون ببطولة فيلمها الجديد، فطافوا المسارح لمشاهدة الفرق وممثليها وبالطبع توجهوا لفرقة مسرح رمسيس حيث اختاروا منها البطلات فكانت أمينة رزق وفردوس محمد بينما اختاروا محمود التوني وحسن إبراهيم من مسرح الريحاني وزكي إبراهيم من مسرح علي الكسار، ليكون الفيلم الأول قائماً على بطولة مشتركة بين أبرز الوجوه المسرحية بتلك الفترة.

عندما طلب أماديو بوتشيني - وكان يتحدث العربية بصورة جيدة - من أمينة رزق أن تشارك في الفيلم طلبت منه أن تستأذن أستاذها يوسف وهبي قبل الموافقة، فرغم عدم وجود ما يمنع في عقودها من الاشتراك في السينما لكنها كانت تستشير يوسف وهبي بكل تفاصيل حياتها، وتخشى منه في الوقت نفسه، فكانت مشاعر الخوف والرعب من عصبية الأستاذ والاقتناع بآرائه حاكمة لها بكثير من الخطوات الفنية اتخذتها في حياتها لاحقاً.

استأذنت أمينة من بوتشيني الذي كان في غرفتها وبحضور والدتها وتوجهت إلى يوسف وهبي في غرفته الذي كان على علم بوجود المنتج الساعي لتقديم عمل سينمائي بدأت الصحافة الفنية تتحدث عنه حيث استمر التحضير للفيلم فترة طويلة.

* أستاذ يوسف.

- عارف يا أمينة... وافقي بس المهم المسرح له الأولوية.

- طبعاً يا أستاذ، بعد إذنك.

كانت هذه المرة نقطة تحول في علاقة أمينة رزق بيوسف وهبي ليس فقط لأنها المرة الأولى التي يوافق لها على العمل خارج المسرح، لكن لأنه استخدم لغة الفهم المشترك في حواراتهما التي اعتمدت لاحقاً على فهم كل منهما ما يريده الطرف الآخر دون حديث، فكانت علاقتهما تجاوزت الكثير من القيود التي كان يضعها يوسف وهبي في علاقته بالمحيطين به.

أجر باليومية

كان المنتجون الأجانب يفضلون التعاقد مع الممثلين باليوم مثلما كان يتم التعاقد شهرياً بالمسرح، لكن تصوير الفيلم كان يستغرق أقل من شهر فلجأوا إلى الأجر باليوم كحل يرضيهم ويرضي الممثلين، واتفقوا مع أمينة رزق على تصوير 10 أيام مقابل أجر يومي جنيه واحد، على أن تحصل على إجازة أسبوع من المسرح لتتفرغ للانتهاء من مشاهدها كاملة وما يتبقى تقوم بتصويره في إجازتها من المسرح في مواعيد صباحية، فطلبت من يوسف وهبي الإجازة فوافق على مضض لكنه تفهم رغبة أمينة في خوض تجربة السينما وظروف التصوير، بينما منحها إجازة مدفوعة الأجر.

على مدار أكثر من 14 ساعة يومياً صورت أمينة أسبوعاً كاملاً في الفيلم بينما صورت 4 أيام أخرى من الصباح الباكر وحتى السادسة مساءً لتتوجه بعدها إلى المسرح، وكانت تتقاضى خلال تلك الفترة أجر نصف يوم وليس يوماً كاملاً، فيما حصلت بنهاية الفيلم على مبلغ 10 جنيهات فكان أكبر مبلغ حصلت عليه في هذه الفترة القصيرة.

دارت قصة الفيلم حول "سعاد" (فردوس حسن)، التي سرقها الغجر من أهلها، ودفعوها للعمل معهم في سيرك متنقل، يشاهده خليط من المتفرجين، عمدة، ورسام قام بدوره محمود التوني، يصطحب معه خطيبته، أمينة رزق، ورجل ماجن، حيث تتوالى الخطوب والمحن على سعاد إلى أن تستقر أمام الفنان محمود التوني، الذي يرسمها في لوحة كبيرة، وتقع في حبه، لكنه يحب خطيبته الرقيقة الطيبة أمينة رزق، التي تظهر في صورة فوتوغرافية من الفيلم بوجهها المشرق بابتسامة عريضة، تنظر إلى أعلى بعينها الواسعتين كما لو كانت تعبر عن مزيج من الثقة في الذات والأمل والمستقبل، لكن رد الفعل عن الفيلم كان مفاجئاً.

عرض زواج جديد.. وعقد قران لم يكتمل

استمرت عروض الزواج تنهال على الفنانة الشابة أمينة رزق، وتقدم لخطبتها أحد الأثرياء حيث عرض عليها أن يدفع مهراً سخياً قدره 600 جنيه وهو رقم كبير للغاية، إضافة إلى فيلا كبيرة وراتب شهري يعادل ضعف ما تحصل عليه من الفرقة ومؤخر صداق قدره ألفا جنيه إذ وقع الطلاق بينهما.

لم توافق أمينة على العرض، فالعريس أكبر منها عمراً بكثير ومتزوج ولديه أطفال وفي عمر والدها لذا حسمت أمرها بينما تركت لها والدتها حرية اتخاذ القرار في هذا الموضوع مع استمرار توالي عروض الزواج التي ظلت أكثر من عقدين تلاحقها.

فخلال رحلة قامت بها إلى لبنان تقدم لطلب يدها ضابط طبيب يحمل رتبة أميرلاي، لكنه اشترط عليها البقاء في لبنان وعدم العودة إلى القاهرة، لكنها رفضت الاستقرار خارج مصر.

أما العريس الأوفر حظاً فهو كابتن طيار تعرفت عليه في إحدى سفرياتها ونشأت بينهما قصة حب توجت بعقد القران خلال فترة وجيزة في حفل بسيط أقيم في منزل أمينة رزق وتم الاتفاق على الاحتفال بالزفاف بعد فترة قصيرة لكن الطيار الذي أحبته أمينة فاجأها بعد عقد القران بأن طلب منها اعتزال التمثيل.

صدمت أمينة من الطيار الذي أحبته واعتقدت أنه لن يمانع استمرارها في التمثيل، خصوصاً أنه لم يفاتحها في هذا الأمر من قبل، لتطلب أمينة الانفصال قبل إتمام الزواج وتظل هذه القصة سراً في حياتها لم تعلنها إلا للمقربين منها الذين شهد بعضهم الاحتفال بالزواج الذي لم يكتمل.