كيف كانت بداية فكرة توثيق مشروع «ذاكرة مصر الصحافية»؟

منذ نحو 12 عاماً، عندما عثرت مصادفة على كتاب لدى أحد بائعي الكتب القديمة والمستعملة في شارع النبي دانيال بعنوان «تاريخ الصحافة السكندرية بين أعوام 1873-1899» للباحثة نعمات أحمد عثمان، ضمن سلسلة كتب تاريخ المصريين للهيئة العامة للكتاب، واكتشفت من خلاله أن الإسكندرية حملت الإرهاصات الأولى لصناعة فن الصحافة بمصر. كان يصدر فيها وبلغات عدة، خلاف اللغة العربية، نحو 78 جريدة يومية وأسبوعية، بدأت بـ«الكوكب الشرقي» أولى الصحف العربية الصادرة في «الثغر» وصولاً إلى «الأهرام» وانتقالها إلى القاهرة، وهو ما كان دافعاً لي لمحاولة توثيق أولاً تاريخ الصحافة في الاسكندرية وأرشفته، وجمع الأعداد القديمة والنادرة من الصحف حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي، وبينها صحف الجاليات الأجنبية في المدينة، من بينها: اليونانيون، والفرنسيون، واليهود، والأرمن. ثم تاريخ «الصحافة المصرية» عموماً، لا سيما العدد الأول من جريدة «الأهرام» الصادر في 5 أغسطس 1876، وكان مقرها آنذاك في حي المنشية بالإسكندرية.

Ad

ما أكثر ما لفت نظرك خلال توثيق صحف تلك الفترة في مدينة الإسكندرية؟

لفتني ثراؤها الشديد وتنوعها أيضاً. كان يصدر في الإسكندرية، حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي نحو 20 جريدة يومية وأسبوعية، متنوعة بين السياسة والاقتصاد والأدب، أبرزها: «الدفاع السكندري، والعلم الأخضر، والرياضية، ولسان العرب»، و«البصير» التي تعد أقدم صحف المدينة بعد «الأهرام» وصدر العدد الأول عام 1906، وأسسها السوري رشيد شميل، وظلت منتظمة حتى توقفت عن الصدور منتصف الخمسينيات، إضافة إلى «وادي النيل، والتجارية المصرية، والثغر، والسهام»، والتسعيرة» التي كانت تهتم بأخبار الجالية اليهودية، فضلاً عن صحف الجاليات الأجنبية المتعددة التي كانت تعيش في المدينة الساحلية، وجمعت أعداداً كبيرة منها.

صبغة محلية

ما أبرز ما حملته صحافة مدينة الإسكندرية خلال الحقبة الملكية ووثقته عبر الصحف المتعددة لديك؟

كانت غالبية الصحف غارقة في المحلية، باعتبارها صحفاً إقليمية في الأساس، إضافة إلى ما يميز «الثغر» وقتها من أن رجال الأعمال وأصحاب المصانع كانوا، في معظمهم، من الأجانب آنذاك، وكانت تنشب حركات إضرابات عمالية وصدامات بين عمال الشركات وأصحابها. مثلاً، حملت جريدة «البصير» في عددها الصادر في 1 يناير 1928، تحقيقاً مصغراً عن مشكلة تصعيد عمال شركة «كوتاريللي» للتبغ إلى لجنة التوفيق جاء فيه: «عقدت لجنة التوفيق أمس الأول بسراي المحافظة، برئاسة صاحب العزة أحمد عبد القادر بك وكيل المحافظة، للنظر في النزاع بين عمال شركة سجائر «كوتاريللي» ورؤساء الأعمال المباشرين لهم المعروفين بـ«القومندات»، وأسفر هذا النزاع عن إيقاف المفاوضات بين محامي الشركة ومحامي العمال بشأن وضع مشروع من المكافآت تصرف للعامل عند فصله من العمل».

ويبدو أن أزمة عمال شركة سجائر «كوتاريللي» وأصحاب الشركة في المدينة الساحلية تطوّرت إلى حد إطلاق الرصاص، كما جاء في خبر نشرته الجريدة بعنوان «تلغراف» مرسل إليها من رئيس نقابة عمال الدخان والسجائر آنذاك عبد العزيز الغرياني، ونصه كالتالي: «أطلق رجال كوتاريللي الرصاص على العمال المصريين بشارع محرم بك بعيداً عن المصنع بلا سبب، والقصد إحداث هياج ليقابلهم العمال بالمثل ولكنهم ما زالوا محافظين على الهدوء والسكينة، رغم معارضة البوليس لهم بشدة، والمصابين إلى الآن أربعة منهم اثنان بحالة خطرة في المستشفى، ونحن نستغيث بالحكومة لوضع حد لهذه التعديات المتكررة».

طرائف

هل ثمة طرائف أو نوادر حوتها صحف تلك الحقبة في صحافة مدينة الإسكندرية تحديداً؟

بالتأكيد، ربما أبرزها ما جاء في عدد «البصير» الصادر في 13 يناير 1940، ويتطرق إلى الأزمة المالية التي عاشتها مصر بسبب الحرب العالمية الثانية، ووصلت إلى حد ترشيد الانفاق، حسبما ورد في خبر قرار وقف شراء المراوح الكهربائية، الذي نشر في الصحف وقتها وجاء فيه: «تلقت مصالح الحكومة بالإسكندرية من وزارة المالية كتاباً تبلغها فيه أنها قررت وقف شراء المراوح الكهربائية هذا العام، بسبب صعوبة الحصول عليها، ولأن الحالة الحاضرة تستدعي الاقتصاد في مشترى مثل هذه الأدوات».

وبطبيعة الإسكندرية «الكوزموبوليتانية» آنذاك، المتعددة اللغات والديانات، كانت أخبار العائلات الكبرى، ومنها «اليهودية» ورجال أعمالها، من أهم أخبار الصحف، فتحت عنوان «حاييم بك درة يعود من أوروبا» نشرت جريدة «التسعيرة» التجارية، الخبر التالي: «عاد من أوروبا في الأسبوع الماضي حضرة الوجيه المعروف حاييم بك درة التاجر المعروف وعضو الغرفة التجارية في الإسكندرية، بعدما قضى فصل الصيف متنقلاً بين ربوع فرنسا تصحبه عائلته المصونة، فكان في استقباله جمع كبير من رجال المال والأعمال من أصدقائه وعارفي فضله وأياديه البيضاء على الطفولة المشردة، وصاحب التسعيرة وهو يعتز بصداقة الرجل الذي طبع على خلق كريم، يهنئ حاييم بك بسلامة الوصول راجياً له العود الحميد رافلاً في حلل العز والسلامة».

كذلك كتبت جريدة «العهد الجديد» في عددها الصادر في 12 مارس 1950، خبراً طريفاً عن انتخابات «نقابة الحلاقين بالاسكندرية» جاء فيه: «تجتمع الجمعية العمومية السنوية لعمال الحلاقة بالإسكندرية، مساء يوم الاثنين الموافق 13 مارس بدار اتحادات النقابات بشارع العطارين لانتخاب أعضاء مجلس إدارة جدد».

ماذا عن الصحف المصرية القديمة التي توقف صدور بعضها؟

كان معظمها مجلات، أهمها «البعكوكة، والاثنين والدنيا، والكشكول، وكل شيء والعالم، وكل شيء والدنيا، والدنيا المصورة»، كذلك المجلة الساخرة «الحاوي» التي كانت تصدر في العشرينيات وتضمّنت نقداً ساخراً للأوضاع الاقتصادية والسياسية في مصر وتعرضت للمصادرة والإغلاق نهائياً بسبب الشاعر بيرم التونسي، ومجلتا «المطرقة» و«1000 صنف» وكانتا تصدران حتى منتصف الأربعينيات، إضافة إلى «التحرير» التي صدرت حتى بداية الخمسينيات، و«الدبور، والبلاغ الأسبوعي، والشغلة، والجيل، وأنا وأنت». ومن الصحف: «الرشيد، والزمان، والبغبغان»، إضافة إلى صحف الجاليات الأجنبية التي توقفت نهائياً عن الصدور، باستثناء صحف الجاليتين «اليونانية» و«الأرمن»، إذ لا تزالان تصدران أعداداً شهرية خاصة بهما بلغتيهما، وتوزع بين أوساطهما، على عكس السابق، حينما كانت الجاليات الإنكليزية، والفرنسية، والإيطالية، واليهودية، تصدر صحفاً أسبوعية أو شهرية خاصة بها وبلغتها أيضاً.

محطات موثقة

أكثر ما حرص الخمساوي على توثيقه في تاريخ الصحافة المصرية عموماً أهم المحطات التاريخية والسياسية في تاريخ مصر، كما قال. تابع: «خلال الحقبة الملكية، حرصت على اقتناء الأعداد الأولى والمتتالية لغالبية الصحف والمجلات، من جهة، إضافة إلى توثيق «الحدث» نفسه في أكثر من جريدة ومجلة، كوفاة الملك فؤاد الأول وتولي نجله الملك فاروق عرش مصر مثلاً، ومعاهدة 1936، وقبلها تناول الصحف المصرية ثورة 1919، وزيارة الملوك العرب مصر خلال الحقبة الملكية. أما خلال ثورة يوليو 1952 فعمدت إلى توثيق مراحلها كافة، وأهم المحطات التاريخية فيها، كأزمة مارس 1954، ومحاولة جماعة «الإخوان» اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في المنشية عام 1954، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وهزيمة 1967 وإعادة بناء الجيش، وحادثة إغراق المدمرتين الإسرائيليتين «بات شيفع- بات يم»، وتدمير ميناء إيلات الإسرائيلي».

كذلك وثّق الخمساوي وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، وانتصار أكتوبر المجيد عام 1973، وما تناولته الصحف عن انتفاضة 17 و18 يناير 1977 مروراً بحادث اغتيال السادات عام 1981 وتولي مبارك الحكم عام 1981، ومفاوضات استرجاع «طابا»، نهاية بثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 التي أطاحت بحكم تنظيم الإخوان. كذلك احتفظ بالأعداد الأولى للصحف والمجلات كافة التي صدرت في مصر منذ منتصف السبعينيات حتى الآن.