ما زالت أصداء نجاح معرضك الذي أقمته أخيراً في بيروت بعنوان «سيرة ذاتية» ممتدة. ما سرّ ذلك في رأيك؟

Ad

ربما لأنه يتحدّث عن جيل كامل عبر خمسة عقود. أقمت المعرض في قاعة «آرت سبيس» في الحمرا ببيروت، وهو يضمّ 14 عملاً من البرونز بأحجام مختلفة، هي سيرة ذاتية تتحدّث عن محطات مهمة في حياتي، مثل كاتب أو روائي يكتب سيرته، ولكني لم أتحدث عن شخص بعين بل عن جيل كامل عاش الحروب والمآسي وعدم الاستقرار. وأحمد الله على أن كثيرين وجدوا هذا المعرض مميزاً ومحطة مهمة في حياتي.

تجلى انشغالك بفكرة الحرب في معرضك الذي أقمته في الدوحة. ما تعليقك؟

يأتي هذا المعرض ضمن تجربتي في قضيتي ضد الحرب متسلحاً بالفن والإبداع والقول للحرب والموت وصناعة القتل كفى! أنا على تماس مباشر مع ذلك كوني ابن دولة تعيش الويلات هي العراق، وإن كانت القضية تعدّت هذا البلد وأصبحت أزمة عالمية مسرحها الوطن العربي، تحديداً العراق وبعض الدول المجاورة. حاولت قدر الإمكان، منذ ست سنوات، توظيف إمكاناتي في هذه الرسالة الفنية، ومعرضي الأخير عن الحرب امتداد لهذه التجربة المهمة في حياتي. وما دام صانعو الحرب موجودين سأتصدى لهم، وأدعو المبدعين الحقيقيين إلى القيام بواجبهم تجاه هذه القضية، ولكن من دون أن ينسوا الجانب الإبداعي، وربما تكون رسائلنا ضد الخراب ولكن برؤية فنية وجمالية موجودة داخلنا. وأتمنى أن يعمّ السلام في العالم.

منحوتات

تستحوذ الحيوانات على جانب كبير من منحوتاتك، وخصصت لها معرضاً كاملاً في الإمارات.

أؤمن بعملي وأدافع عنه لأني مسؤول عنه. خلال الإعداد لهذا المعرض تحديداً كنت في وضع مربك، في مرحلة انتقالية من التجريد الخالص إلى تجربة خاصة لا أستطيع أن أسميها «واقعية» لأنها لا تحمل مسمى تقليدياً من المسميات المتعارف عليها. كان المعرض مرحلة مفصلية وانتقالاً إلى ما أنا فيه الآن. خلال زيارتي العراق عام 2011، نبَّهني أحد الأصدقاء قائلاً لي: «أنت ابن بلد يمرّ بمأساة وأزمات عدة، أصدقاؤك وأهلك ضحايا وأنت تعمل في منطقة التجريد والبحث الجمالي متناسياً الحقيقة التي تسير عليها أرضك». كأنه أيقظني من نومي، فكان هذا المعرض منطقة بحث عما أستطيع أن أقدِّمه لأهلي وناسي، وأنا أعتزّ به ولاقى رد فعل كبيراً، ولكن ليس هذا ما كنت أبحث عنه.

قدَّمت بعده تجربة مهمة جداً في «ميامي آرت فير»، وهي مشروع ضدّ الحرب أخذ صفة العالمية، علماً بأنها كلمة مطاطة. لا أعنى بعرضي في ميامي أني صرت فناناً عالمياً، فأنا لا أعرض لفكرة كونية، ربما تكون مستوحاة من المحلية ولكن برؤية عالمية. قدَّمت 12 شخصية عالمية مشهورة بالمحبة والحب والسلام والخير بأدائها الإنساني الإيجابي، ولكن بصورة مغايرة للواقع الذي عُرفت به. على سبيل المثال، في معرضي حملت الأم تريزا راعية السلام السلاح، كذلك تشارلي شابلن الفنان الذي أسر قلوب الملايين، وغاندي ونيلسون مانديلا ورونالدو ومايكل جاسون وأم كلثوم ومحمد علي كلاي، وأنا كنت معهم أحمل السلام. أردت إيصال رسالة إلى صانعي الحرب الذين يقودون البشر والعالم إلى الدمار، وأقول لهم: «تخيلوا لو أن هذه الرموز التي صنعت المحبة والسلام دعمت الحرب؟!». وأعتقد أني نجحت خلال هذا المعرض في البدء والتأسيس لتجربتي الراهنة، وسأظل أبحث في هذه المنطقة ما لم يحلّ السلام.

لماذا اخترت النحت رغم كونه أحد المجالات الشاقة؟

ولدت في مدينة تابعة لبابل وفُرض عليّ النحت منذ الطفولة. كنت ألعب بالطين والتراب، وأول رحلة مدرسية لي كانت إلى مدينة بابل الآثرية، وأول تمثال بهرني أسد بابل، كذلك بوابة عشتار، بالإضافة إلى أن المدينة التي كنت فيها تتميَّز بجانب ديني وطقوس عاشوراء والاحتفاء بمقتل الحسين. شكّلت هذه الأمور كافة ذاكرتي بتراكمات فنية ولونية بصرية، عندما درست الفن، وأعتقد أن النحت اختارني.

بين المحلي والعالمي

صرحت بأنك تقدِّم لغة جديدة في الفن لا تشبه أحداً وهي خلطة بين الفن المحلي والعالمي؟

أؤمن تماماً بأن صانعي المدارس الفنية بشر مثلنا، وأملك من الثقة في النفس والفن العربي والمبدعين العرب لتأكيد أننا نستطيع أن نصنع مدارسنا الخاصة. نحن نملك من الأدوات الإبداعية والتقنية ما يجعلنا جزءاً أساسياً من هذا الكوكب. تبقى المشكلة عدم ثقة المتلقي العادي بأعمال الفنان العربي. بالنسبة إليّ، أثق في نفسي ومنتجي ومنتج بعض الفنانين العرب، وأقول بكل صدق إننا في مركب واحد مع الفنان الإنكليزي أو الفرنسي أو الصيني، ولكن بلغتنا وبطريقة أدائنا. كذلك لا أضع نفسي في منطقة معينة، فلا أجد أني أقدّم أعمالاً في إطار الحداثة أو ما بعد الحداثة أو الفن المفاهيمي، بل أقدِّم أحمد البحراني بما أؤمن فيه وليس من باب الغرور أو الفخر، وأبدع أعمالاً تشبهني وتصل إلى المتلقي مهما كانت جنسيته. من ثم، أعتبر نفسي فناناً كونياً ولكن بصفة عربية.

التشكيل العراقي

عن الفن التشكيلي في العراق، يقول أحمد البحراني: «بكل صدق وأمانة، يقدِّم الفنانون العراقيون في الداخل أفضل مما نقدّمه نحن أبناء الوطن في الخارج. يرسمون وينحتون رغم التهديد الدائم بانفجار العبوات الناسفة، ويفتحون النوافذ ليروا مشهد الموت ولكنهم يصرّون على الرسم والعمل. شخصياً، أستمدّ قوتي من استمرارهم في الحياة. في العراق كم كبير من المبدعين، وهم على اطلاع واسع بهذا الفن، ويمكنهم أن يسافروا ويروا ما يحدث في الكون. شخصياً، أتابع التجربة العراقية بكل فخر وأتواصل مع زملائي».