هذا ما يحدث عندما تكون النغمة العامة هي نغمة كراهية وعنصرية، هذا ما يجب أن نخشاه، أن نرتعب من إمكانية وقوعه في بلد صغير ذي تعداد قليل، معتمد بشكل شبه كامل على السواعد المقيمة فيه. بعد كل هذه السنوات من العمل من أجل المساواة والعدالة، بعد هذه الحرب الشعواء ضد العنصرية، وحتى بعد وصول رجل أسود للبيت الأبيض، ها هي حركة "سيادة البيض" إن صحت الترجمة، تعود بدماء متجددة دافقة في شارلوتسفيل، فيرجينيا، لتقابلها حركة مناهضة للعنصرية، ليحدث اشتباك دموي، لتعود الدنيا خلال ساعات قليلة لأكثر من مئة سنة للوراء في تكرار لمشاهد الحرب الأهلية الأميركية الضارية التي اعتقدنا أن البشرية طوت صفحتها وللأبد.

هكذا نحن البشر، كأننا دوماً على شفا حفرة من خراب دائم، من هدم شامل، من فوضى عامة لامة قد تنهي وجودنا تماماً. هي لحظة إطلاق نار، هي لحظة خلاف، هو بيان يقابله بيان، هو تصرف منفرد أرعن، هو تصريح مجنون، بعد تصريح مجنون وتشتعل الكراهية بين الناس ويعود المشهد بسرعة خارقة، ملتفاً شريطه الأسود على بكرته بشكل عنيف، مئة سنة وأكثر إلى الوراء المظلم السحيق. حتى أميركا، بقوانينها المدنية وبحرياتها وتعايش أفرادها المتنوعين، فخر صناعتهم الإنسانية التي يتغنون بها باستمرار، سقطت على ركبتيها بعد تصريحات كراهية معدودة من رئيسها. بعد كل هذه السنوات من مناهضة العنف، بعد النضال والمعاناة، بعد أن جلس رجل أسود على كرسي الحاكم، سقطت المكتسبات في لحظة، دوى ارتطام المبادئ على مسامعنا ونحن نرى البيض يخرجون في اعتصامات لتثبيت سيادتهم فوق كل جنس آخر، وكأننا في دقيقة عدنا للعصر النازي، في لحظة تراجعنا إلى زمن العبيد والأسياد، في ثوان هدمنا كل ما أخبرنا به العلم، كل ما قالته أبحاث مئات السنوات عن لون الإنسان وامتداداته، كل ما أخبرنا به داروين عن حقيقة أن أصلنا جميعاً، بألواننا وأشكالنا وتركيباتنا، هو مجرد سمكة.

Ad

أميركا، بكل قوتها وتاريخها ونضالها الداخلي، بقوانينها المدنية وبرئيسها السابق الأسود لم تستطع أن تحمي نفسها من السقطة المدوية حين ارتفعت تصريحات رسمية عنصرية، لنا أن نتخيل ما يمكن أن تفعله مثل هذه التصريحات، مثل هذه التوجهات، في بلد صغير كالكويت. بين اليوم والآخر، تخرج تصريحات مقيتة من هذه النائبة أو ذاك، من هذا المسؤول أو ذاك، يهيج الناس، تتجاوب الحكومة، تنتشر الكراهية، تشفطنا الفجوة المظلمة، تسحب منا أرواحنا، فلا يبقى منا سوى عظام، ستبقى، بلا أرواحها، مجرد رميم. نحن في خطر، وباء الكراهية الأسود ينتشر، رمز X ينتشر يوماً بعد يوم على الجباه، تغلظ النفوس وتنحدر الخطابات، وتغيب المحبة والسلام، هذان الرافدان اللذان بهما عشنا وتعايشنا مع كل "آخر" قَدِم إلى بلدنا. السقطة لا تحتاج لأكثر من ثانية، قدم كراهية تمتد أمام قدميك، تعثر خطوك، تسقط على جبهتك فيتساقط كل البقية السائرين خلفك. كل منا مسؤول أن يرقب خطوته، كل منا مسؤول أن يصم أذنيه، كل منا مسؤول أن يقول لا للكراهية والعنصرية والفصل والعزل، وإلا فالسقطة مجرد ثانية من الزمان.