ينشغل المجال العام في مصر راهناً بحديث ساخن عن تعديلات دستورية مطلوبة، يمكن بمقتضاها تمديد الفترة الرئاسية لكي تصبح ست سنوات بدلاً من أربع، وأن يتم إطلاق الفترات الرئاسية لتصبح من دون حد أقصى، بدلاً من قصرها على فترتين متتاليتين فقط كما يقرر الدستور.

كان الرئيس السيسي قد أطلق أول إشارة إلى رغبة رئاسية في تعديل الدستور، عندما صرح قبل أكثر من عام، بأن الدستور "كُتب بنوايا حسنة"، معتبراً أن النوايا الحسنة وحدها لا يمكن أن تبني الدول.

Ad

ومنذ أطلق الرئيس تلك الإشارة راح كثيرون من مُجمع الموالاة الكبير يطرحون الطرح ذاته، وكان لافتاً في هذا الصدد، أن رئيس مجلس النواب الدكتور علي عبد العال، وهو أحد عشرة خبراء دستوريين كتبوا المسودة الأولى للتعديلات الدستورية المعمول بها حالياً، قال بدوره، قبل أسبوع، إن "الدساتير يجب أن تُقر في أجواء مستقرة"، في تلميح واضح إلى ضرورة إجراء تعديلات دستورية، بالنظر إلى أن النسق الدستوري الراهن أُقر في فترة شائكة سادها الارتباك، في أعقاب إطاحة حكم "الإخوان".

يحكم مصر حالياً دستور تم إقراره في يناير من عام 2014، بعد إجراء تعديلات دستورية على دستور 2012، وهي تعديلات لاقت موافقة ساحقة من الجمهور، في استفتاء وُصف بالنزاهة من دوائر دولية معتبرة.

وترسي تلك التعديلات مبادئ طموحة ومعيارية، تتسق في أغلبها مع المواثيق والعهود الدولية، كما تبلور تجربة دستورية عريقة عاشتها مصر منذ عام 1923، وتخلص إلى بنود وُصفت بأنها الأفضل في الحياة الدستورية المصرية الثرية بالتعديلات والتغييرات.

وقد خلصت تلك التعديلات الدستورية إلى مبادئ تتعلق بنظام الحكم، فأرادته شبه رئاسي، يعطي للرئيس سلطات واسعة، لكنه يقيد بعضها عبر السلطة التشريعية، كما أُقرت تحصينات للحريات وحقوق الإنسان، مع تنظيم حداثي للإعلام ودور المجتمع المدني، وتمثيل عادل ومتوازن في الهيئات التمثيلية لأطياف المجتمع، وخصوصاً تلك الأضعف والتي تتعرض للتهميش والتمييز.

لم يكن هناك الكثير من الصعوبات في الالتزام بالكثير من تلك القواعد الدستورية في ما يتعلق بنظام الحكم، وتشكيل الهيئات المنتخبة؛ إذ جرت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل دستوري، كما ينتظر أن يقر "البرلمان" قانون الإدارة المحلية، في دور انعقاده المقبل، لكي يتم انتخاب أعضاء المجالس المحلية، وبذلك تكون الدولة استكملت كل هيئاتها السياسية التمثيلية، وفقاً للأحكام الدستورية.

لقد ظهرت الصعوبات بشكل واضح في ما يتعلق بتنظيم الإعلام، حيث لم تستطع الدولة أن تلبي بعض الأحكام الدستورية المتعلقة بالمجال الإعلامي على نحو فعال، بسبب المخاطر التي يطرحها التحدي الإرهابي، وهنا كان الحل دستورياً أيضاً، عبر إعلان حالة الطوارئ، التي منحت السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة للحد من الأخطار الواردة عبر الإطار الإعلامي، وهي عملية شابتها الخشونة واتسمت بالتوسع، بشكل آثار الانتقادات، لكنها إجمالاً ظلت تتمتع بغطاء قانوني-دستوري، مستمد من الاستثناءات التي يمنحها قانون الطوارئ للقيادة السياسية.

أما الاستحقاقات الخاصة بالمجتمع المدني، وتنظيم أوضاع السلطة القضائية، والحصص المنصوص على تخصيصها في الدستور للإنفاق على الخدمات الاجتماعية، فقد عجزت الدولة عن الوفاء بها، وهو أمر لاقى معارضة وانتقاداً متوسطي الحدة، وقد أمكن التعاطي مع ما أثاره هذا الإخفاق من امتعاض، في ظل انطباع عام بضرورة مساندة الدولة في ظل تراجع قدراتها الاقتصادية وتفاقم ما تواجهه من مخاطر الإرهاب.

لكن مسألة تعديل الدستور، بشكل يغير طبيعة المدد والفترات الرئاسية، فتحت الباب لانزعاج عمومي وقلق بالغ، وطرحت مخاوف جدية، وبلورت حساً معارضاً لا يستهان به، خصوصاً أن تلك التعديلات تُطرح عشية الدعوة إلى الانتخابات الرئاسية.

يقول نقاد التعديلات الدستورية المطلوبة إن طرحها في ذلك الوقت بالذات يعني رغبة الرئيس، أو مؤيديه، في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير 2011، ويصفون ذلك بأنه "انقضاض على أهم وآخر مكاسب" الانتفاضة، التي يعتبرها الدستور "ثورة".

ويرى هؤلاء أن طرح التعديلات يمكن أن يؤدي إلى إعادة الأوضاع التي خلقتها "ثورة يوليو"، وتكريس نمط الحكم غير التعددي، الذي يحكم من خلاله الرئيس من دون حد أقصى، كما فعل الرؤساء عبد الناصر والسادات ومبارك.

كما يعتقدون أن أي تغيير في مدد الرئاسة وفتراتها أمر غير دستوري، بالنظر إلى وجود مادة دستورية يرى بعض الفقهاء أنها تحظر تماماً إجراء مثل هذا التعديل، فضلاً عن طرح آخر لا يقل وجاهة عن ضرورة عدم إجراء أي تعديل يستفيد منه الرئيس الذي أُجري التعديل في عهده.

ويعتقد بعض النقاد أن تلك الدعوة تبرز الآن في محاولة لإجهاض تجربة الانتخابات الرئاسية التعددية، التي يريد أنصار "25 يناير" تكريسها، في ظل مخاوف من تراجع شعبية الرئيس بسبب الصعوبات الاقتصادية التي تواجه البلاد، والإجراءات الإصلاحية الصعبة التي أخذت الدولة على عاتقها تنفيذها بوتيرة سريعة، من أجل تصحيح المسار بعد السنوات السبع الفائتة الصعبة.

وفي المقابل، يمتلك مؤيدو التعديلات الدستورية ذرائع، يساندها قطاع مؤثر من الجمهور؛ وهي ذرائع تتعلق بضرورة إتاحة فرصة مناسبة للرئيس لكي يكمل خططه الإصلاحية، ويستكمل مشروعه لتثبيت الدولة، وإصلاح عيوبها المؤسسية، بما يضعها على أول طريق الانطلاق.

وقد برز في هذا الإطار ما قاله بعض المنظرين من أن الرئيس "زرع ومن الضروري أن يكون موجوداً في وقت الحصاد"، وأنه من غير المنطقي أن يتم التصويت على أدائه في وقت المصاعب ودفع التكاليف، ليأتي آخر ويحصد نتاج عمله.

والشاهد أن الجدل السائد في مصر راهناً ليس جدلاً دستورياً كما يظهر من النقاش العام، وهو لا يتصل بـ"قدسية الدستور" أو "عدم قدسيته" كما يقول البعض، ولكنه ببساطة طلب سياسي، أراد من يطرحه أن يمنح الرئيس وقتاً بلا سقف في السلطة لتفعيل مشروعه، وهو أمر يبدد مكسباً سياسياً كبيراً حصل عليه المصريون، وهو قد يحمي الاستقرار بالفعل، لكنه سيعيد الأوضاع السياسية إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير 2011.

* كاتب مصري