سنتحدث قليلاً عن المنارات. ولكن إليك أولاً بعض التوجيهات الضرورية: تشكّل شبه جزيرة غاسبيه امتداداً لولاية كيبيك يضاهي مساحة بلجيكا تقريباً ويصل شمالاً إلى نهر سانت لورنس ويتسع ليبلغ خليج سانت لورنس.تضمّ شبه الجزيرة هذه ساحلاً وجبالاً، فضلاً عن أنها تشتهر بقطاع صيد سمك السلمون وأشجارها التي تكتسي بألوان مذهلة في شهر أكتوبر. ولما كانت منطقة ساحلية، فتحصل على حصة كبيرة من المطر والضباب، ما يبرز حاجتها إلى 14 منارة.يبلغ عدد سكانها 130 ألفاً، مقارنة ببلجيكا التي تعدّ 11 مليوناً. وتتكلم هذه المنطقة الفرنسية، إلا أن السائحين الذين يجيدون الإنكليزية يحظون بترحيب كبير ولن يموتوا جوعاً.
«غاسبيه» أكبر بلداتها (عدد سكانها 15 ألفاً)، وأعطت هذه المنطقة اسمها: غاسبيزيا. غرس المستكشف جاك كارتيه صليباً خشبياً في مكان ما قرب بلدة غاسبيه عام 1534 وأعلنها أرضاً فرنسية، إلا أن محاولته هذه باءت بالفشل.لكن بوابة هذه المنطقة الغربية تبقى بالنسبة إلى معظم الزوار بلدة سانت فلافي النهرية. وهنا تكمن المشكلة: كي تصلها يجب أن ترغب حقاً في بلوغها. تبعد البلدة نحو عشر ساعات ونصف ساعة بالسيارة عن تورونتو، وتسع ساعات عن بوسطن. صحيح أن خطوط الطيران الكندية تسيّر رحلات من هذه المنطقة وإليها، إلا أنك تسافر من شيكاغو إلى باريس، مثلاً، بكلفة أقل أو سرعة أكبر أو الاثنتين معاً، وذلك وفق عدد المرات التي تحط بها الطائرة.لكن مشاكل هذه المنطقة تنتهي عند هذا الحد لتنتقل بعد ذلك إلى الاستكشاف والاستمتاع.
حدائق
عندما نقود السيارة وفق عقارب الساعة على طول النهر من سانت فلافي على الطريق السريع 132 (درب يحتضن الماء وكل ما يستحق التوقف عنده في هذه المنطقة) ونعبر تماثيل مارسيل غانيون الثمانين الغريبة (أولى الإشارات إلى أن الفنانين يقيمون في هذه المنطقة ويبدعون فيها)، تدعونا اللافتات إلى زيارة حدائق «ميتيس» أو حدائق «ريفورد». بدأت إلسي ريفورد بزراعة نباتات في أرض تملكها عائلتها قبل نحو 90 سنة. ويتولى اليوم حفيدها الأكبر، المدير ألكسندر ريفورد (53 سنة)، مهمة الاعتناء بكل ما يتفتح في هذه الحدائق منذ 23 سنة. تُصنّف هذه الحدائق موقعاً تاريخياً وطنياً.قال ريفورد: «هذه نبتة فاوانيا جميلة هنا». أطلقت جمعية نبات الفاوانيا الأميركية اسم «إلسي» على هذه النبتة تيمناً بجدته الكبرى. وتُعتبر هذه النبتة نوعاً هجيناً ربما وُلد مصادفةً. ولكن كما هي الحال مع البشر، يؤدي التلقيح العرضي أحياناً إلى نتائج مذهلة.أحد المرشدين في هذه الحدائق بول جندرون (70 سنة). كان جده حارس منارة في منارة «ميتيس» التي تبعد قليلاً باتجاه مصب النهر. أخبرني: «كان والدي أيضاً مساعد حارس. وهكذا ترعرعت هنا».لكل منارة قصة وهوية خاصة. لكننا سندعك تكتشفها بنفسك.حيوانات بحرية
على بعد ثلاث منارات إلى الشرق، تقع بلدة سانت آن دي مون الساحرة، التي لا تضمّ حيوان الونكة المذكور سابقاً فحسب (الونكة حلزون بحر محلي يمكنك الاستمتاع بتناوله في مطعم Restaurant du Quai، وهو أشهى مما يوحي اسمه)، بل أيضاً منتزه Exploramer، وهو عبارة عن حوض بحري وتجربة على الشاطئ يمكنك خلالها تلمس الحيوانات البحرية، علماً بأن هذا الوصف لا يفي هذه التسلية حقها.في حوض التلمس هذا، يحظى محبو لمس الأشياء الرطبة بمتعة كبيرة. وخارجه تصادف أسماك القرش الأبيض الكبير، علماً بأن هذا واحد من أنواع عدة من سمك القرش تكمن في المياه المجاورة.يشكّل المنتزه قاعدةً لسفن مشاهدة الحيتان السياحية في خليج غاسبيه. أكد مارك ترودل، أحد محبي الطبيعة كان على متن السفينة: «تحتاج أحياناً إلى نصف ساعة لتبلغ موقعاً جيداً لمشاهدة الحيتان». ولكن في ذلك اليوم، رأينا أول حوت أحدب بعد 14 دقيقة فقط من انطلاقنا، ثم تلته الحيتان الزعنفية وحيتان المنك. في فوريلون، اكتشفت رأس غاسبيه الرائع.علاوة على ذلك، قدمت لنا بلدة غاسبيه متعة كبيرة. تضم هذه البلدة متحف غاسبيه الذي يحتوي على ذلك الطربيد الكثير الانبعاج. أُطلق هذا الطربيد على ما يبدو من زورق حربي ألماني كان يجوب السواحل عام 1942، وعنه قالت المرشدة ناتالي سبونر: «خرج عن مساره واصطدم بالصخور»، فعثر عليه رجل على الشاطئ واحتفظ به في حظيرته. واعتاد أن يتقاضى من أولاد الحي 25 سنتاً ليسمح لهم برؤيته. أضافت: «كان يدعوه أصغر متحف في العالم». إلا أنه أصبح اليوم في متحف أكبر.على بعد نحو 400 كيلومتر عن نقطة انطلاق رحلتنا، وصلنا إلى هذه البلدة السياحية بفنادقها الصغيرة الكثيرة ومتاجرها للتذكارات ومطاعمها، من بينها مطعم La Maison du Pecheur الذي يقدّم ألسنة القد (أشهى مما يوحي اسمه).وماذا عن الأصوات؟ إذا لم يسبق لك أن سمعت في آن أصوات عشرات آلاف طيور الأطيش الشمالي، فضلاً عن طيور الأوك وأبو موس الشبيهة بالبطريق، فلم تزر على الأرجح منتزه بيرس روك الوطني في جزيرة بونافنتور. يمكنك الوصول إلى هذه الجزيرة في أحد مراكب الجولات في خليج بيرسيه. أما صخرة نيز (أو صخرة بيرسيه) الشهيرة، فتذهل المصورين بأشكالها وألوانها التي تتبدّل مع دوران الشمس. هنا انتهت جولتنا. كان ما زال أمامنا خمس منارات لنكمل دورتنا ونعود إلى نقطة اطلاقنا.قمنا بعد ذلك بتوقف سريع في قرية الصيد لانس أبوفيل القريبة من بيرسيه. في هذه القرية، فتح صياد كركند ودود، نزولاً عند طلب أحد الزوار، براداً كبيراً مليئاً بحيوانات الكركند الحية التي جُمعت لتوها.أخبرنا الصياد بلهجته الفرنسية الكندية المميزة، وهو يحمل أحد حيوانات الكركند: «أتمنى لو أستطيع أن أريكم كركنداً أزرق».نعم، ثمة حيوانات كركند زرقاء. يحمل كل صياد كركند، على غرار كل مشرف على حديقةٍ، ومرشد، ومناصر للطبيعة، وطاهٍ، وفنان، ومنارة في غاسبيزيا، قصة يرويها.