لا يمكن تجاهل تحركات الدبلوماسية الكويتية لحل الخلاف الناشب داخل البيت الخليجي، تلك التحركات يمكن وصفها بأنها تصاعدية بنفس مقدار تصاعد حدة الخلاف بين محور الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة من جهة، والدوحة من جهة أخرى.

إن محاولات الوسيط الكويتي لإحداث ثغرة في الجدار العازل بين الأشقاء الخليجيين يبدو أنها تواجه صعوبات على صعيد الحملات الإعلامية المتبادلة بين طرفي الخلاف، تلك الحملات يبدو أنها جُعِلت الساحة المريحة لتبادل الرسائل الخشنة بين الطرفين وإعلان كل ما يدور في خاطرهما إما بشكل مباشر أو من الأطراف القريبة من دوائر اتخاذ القرار.

Ad

إن الحراك الدبلوماسي الدولي والكويتي قد يحوي الكثير من التفاصيل التي لا يمكن الخروج فيها إلى العلن حفاظاً على مسارات الحل والانفراج غير المرئية، وهذا أمر مفهوم في عالم السياسة، لكن الأمر الذي أعتبره غير مفهوم في نظري هو الضخ الإعلامي المتمدد بلا نهاية أو بارقة أمل نحو التهدئة، فما الذي لم يُقل حتى الآن حتى تستمر الحملات بين الأشقاء الخليجيين بنفس الحماسة؟ ما الذي يمكن توقعه من خطاب أو محتوى استهلك كل ما لديه في ساعات بث مفتوحة غير الولوج في طريق ما يُرسَل إلينا قسراً من محتويات إعلامية مشحونة في وسائل التواصل الاجتماعي؟

إن المؤشر الحقيقي الظاهر لبداية حل الأزمة الخليجية يبدأ من جنوح الإعلام المرئي الموجه ــ بشكل متبادل ــ نحو تخفيض ساعات بث الحديث عن أزمة كبرت حتى أوشكت أن تصبح كائناً حياً تحكمه غريزة البقاء، وإذا تمكن الوسيط الكويتي من تحقيق ذلك الأمر أو إقناع أحد أطراف الأزمة بأخذ زمام المبادرة كنوع من إعلان حسن نوايا، أمكن البدء في رسم الخط النهائي لآخر نقطة في هذه الأزمة، وما سيأتي بعدها سيكون متجهاً نحو بوابة التهدئة وإعادة تقييم المواقف ودراسة حجم هذا الخلاف داخل مشهد التحولات الخطيرة في المناطق المحيطة بدول مجلس التعاون.

إنني كمتابع للأزمة الخليجية، أجد أن مسار هذا الخلاف غير المسبوق يحقق توازناً مرعباً بين مخاطر الحاضر والمستقبل، فهو من ناحية الحاضر يدفع بأمن واستقرار المنطقة نحو المجهول أما المستقبل ففيه تحتشد كل الكلمات والخطابات التي يصعب محوها في زمن التوثيق الرقمي المتاح للجميع، وفي المستقبل ستورق كل الأشجار السوداء التي نبذر بذورها اليوم عن قصد أو دون قصد في سبيل الفوز بخلاف كان بالإمكان التعامل معه بربع الطاقة التي تصرف اليوم من رصيد العلاقات المتينة بين أشقاء مصيرهم واحد وشعبهم واحد.