"حافة الكوثر"، هل هي رواية، أم مذكرات أم سيرة لكاتب صحافي كبير وشاعر بذات الوقت؟ أم أنها مزيج ضُرب بخلاط التأليف، لتتولد كتابة هي سيرة روائية "مذكراتية" لرجل صحافي في الخمسين من عمره يعاني مرض الاكتئاب النفسي، فيلجأ إلى كتابة نتف ومزق من أوراق حياته، دون أن يدخل في أي نظام أو ترتيب مسبق لها، هكذا ولدها كما وردت تفاصيلها بهذه الصورة المتقاطعة والمتداخلة بعضها مع بعض بعقله، دون أي روابط تسلسلية حكائية تدور بصراع درامي تصاعدي وحبكة تشد وتربط العمل كما هو معتاد ومألوف ويعد شرطا أساسيا لفن كتابة الرواية؟

ولعل اختيار هذا الشكل الكتابي غير المعتاد ربما كان من شروط النص ذاته، فأنا أؤمن بأن لكل نص شروطه الخاصة يفرضها ويمليها على وعي الكاتب دون أن يشعر بها، فقط يجد نفسه انساقت وراء شكل ما للكتابة، يكون النص ذاته حددها مسبقا، وهذه الشروط الفنية لا تتوقف على الكتابة فقط، بل تنطبق على كل الفنون الأخرى.

Ad

إذن، هذا الشكل حدد نفسه بنفسه، وهو الأنسب والأفضل لتعبيره عن حالة الفوضى العقلية التي تلازم المريض النفسي المتعاطي لأدوية العلاج، وجاءت مناسبة لحاجة النص تماما، وأملت شروطها على كاتبها، وهو الصحافي المعروف علي عطا، الذي استقى معظم مادتها من سيرة حياته الحقيقية، فهو ذات شخصية البطل "حسين جاد"، رجل بالخمسين يعمل صحافيا، ومتزوج من امرأتين وله بنتان وأحفاد من زوجته الأولى، يعاني الاكتئاب بسبب ضغوط من حوله، ما تسبب في طلاقه من زوجته الثانية "سلمى السكري"، ومرض حفيدته بالسرطان، وحادث كبير وقع لابنته، هذا عدا تراكم المشاكل العائلية القديمة في ذاكرته، التي سببت له ضغوطا وتوترا عاليا لم تحتمله أعصابه، فأصبح مريضا بالاكتئاب، وبات يتكرر دخوله مصحة الكوثر للعلاج النفسي الواقعة في حي المعادي.

الكتابة أخذت شكل رسائل موجهة من الصحافي حسين إلى صديقه طاهر يخبره ويُطلعه على أمور وأحداث حياته المضطربة والمتأثرة بكل ما يخصه بشكل مباشر، أو ما يدور حوله، سواء بعمله، أو ما يخص الحياة العامة في مصر بلغة سهلة بسيطة تكشف وتبوح وتعري كل ما حولها من حياة خاصة أو عامة، وتلقي الضوء على أوضاع المرضى النفسانيين في المصح، وطريقة العلاج للحالات المرضية فيه.

كشف واقع المرضى والعلاج شيء مؤلم في زمن يحاصرهم بقسوة أحداثه التي تؤخر وتبطئ عملية الشفاء، وهذا مقتطف من الرواية يبين ذلك: "لم يأتِ عقار ستابلون، الذي وصفه لي طبيب الشغل بالنتيجة المرجوة، مع أنني انتظمت في تناوله لأسبوعين، وفي الأخير انهارت مقاومتي تماما، ودخلت في نوبة إعياء شديد، بعد أن فقدت شهيتي للطعام والحب وكل شيء، فتقرر تحويلي على عيادة الدكتور نادر العلايلي، وهناك تحدث معي قليلا، قبل أن يخيرني بين المكوث في البيت وتناول جرعة مكثفة من العقاقير، أو أن أدخل الكوثر لبضعة أيام أستعيد خلالها توازني، هو قال إنه يفضل الخيار الثاني، حتى أجد فرصة للابتعاد عن الضغوط التي فاقمت اكتئابي الذي كان كامنا، فوافقته، وأنا أغالب دموعي المنهمرة".

عالم الرواية، رغم أنه يتقاطع مع بعضه البعض دون أي استمرارية أو استقرار، فإنه أعطى صورة مناسبة تماما لطريقة تفكير يعاني الاكتئاب بشكل لا يسمح له ولا يمنحه لذة الكتابة المتولدة من جوهر الكتابة ذاتها، لذا استطاعت أن توصل للقارئ هموم ومتاعب كاتبها، وجعلته يتعاطف بشدة مع شخصية حسين جاد، واضطرابات حياته وواقعه، الذي يضغط عليه ويعيده إلى الدخول مرات أخرى إلى حافة الكوثر، مصح الأمراض النفسية، وهذا ما طلبه صديقه طاهر، بتوجهه إلى الكتابة، كمنجاة من المرض. كما ورد بهذا المقتطف: "أرسلت ما انتهيت من كتابته بالإيميل إلى طاهر يعقوب، فردَّ برسالة شجعتني على المواصلة، ليس باعتبارها سبيلا للخروج من حالة الاكتئاب، كما نصحني هو، في وقت سابق، بل لأنني بالفعل أريد أن أكتب نفسي التي سئمتُ طحنها في تحرير نصوص الآخرين لسنوات طويلة".

إذن، الكتابة جاءت كعلاج ومخلص من أمراض الجسد والروح، أو كما قال إبراهيم أصلان: "أكتب بجسمي كله، ومع ذلك، لابد من إقامة أكثر من ركيزة للتوازن في عالم يتأرجح بحدة أحيانا".