تحت عنوان "أزهى عصور المؤامرات"، جاء الكاريكاتير الرئيس في صحيفة "المصري اليوم" القاهرية، للرسام المبدع عمرو سليم، أمس الأول الجمعة، وفي تفاصيله؛ أن أحدهم يقول: "مؤامرة على نادي الزمالك"، وآخر يحذر من "مؤامرة على عمرو دياب"، وثالث يشكو من "مؤامرة على شيرين"، فيما تطالع سيدة لوحة إعلانية لأحد المتاجر مكتوباً عليها "لدينا مؤامرات جميع المقاسات"!

نحن نعرف أن الكاريكاتير يزدهر وينجح في إيصال رسائله حينما ينزع صاحبه إلى درجة عالية من المبالغة؛ لكن هذا الكاريكاتير بالذات لم يكن مبالغاً بقدر ما كان معبراً عن حالة حقيقية تعيشها مصر راهناً، كما لو أنه "تقرير" أو "مقال رأي" يتحلى بقدر كبير من الضبط والموضوعية.

Ad

لو كانت لدينا القدرة على تحليل محتوى الخطاب الذي ساد في المجال العام المصري على مدى الأسبوع الفائت، لوجدنا، على الأرجح، أن كلمة "المؤامرة" أكثر الكلمات استخداماً، خصوصاً في وسائل الإعلام الجماهيرية ووسائط "التواصل الاجتماعي".

ما زالت السلطة في مصر، مثل كثير من دول العالم الثالث، قادرة على "إرساء أولويات" الاهتمام العام، عبر تحكمها في "وضع الأجندة" Agenda Seating؛ إذ يكفي أن تقرر القيادة السياسية أن تضع عنواناً للنقاش العمومي، وأن تطرحه في خطاب أو حوار أو بيان، ليتحول هذا العنوان فوراً إلى القضية الأكثر بحثاً وتداولاً، لحين "ورود عناوين جديدة".

يبدو أن هذا بالضبط ما فعله الرئيس السيسي، حين طرح موضوع "المؤامرات التي تحاك من أجل إسقاط الدولة المصرية"، داعياً وسائل الإعلام إلى "تسليط الضوء" عليها، خلال كلمة ألقاها في "مؤتمر الشباب" الأخير، الذي عُقد بمدينة الإسكندرية الساحلية.

لم يكتفِ الرئيس بالحديث عن "مؤامرات إسقاط الدولة"، والدعوة إلى مواجهتها فقط، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما طالب الإعلام بأن يصنع "فوبيا" للمواطنين من "إسقاط الدولة".

لقد تلقف معارضو الرئيس ونقاده وكثير من المحايدين هذا التعبير (فوبيا) تحديداً، وراحوا يكيلون الانتقادات له، باعتبار أن "الفوبيا" ليست سوى مرض نفسي، ينعكس في نوع من "الرهاب"، وأن الإعلام لا يجب أن يُسخر جهوده لإصابة الجمهور بالأمراض النفسية.

ربما يكون لدى هؤلاء النقاد حق في ما ذهبوا إليه، خصوصاً أن الإعلام العمومي والإعلام الخاص الموالي (يشكلان أكثر من 95 في المئة من حجم صناعة الإعلام في مصر حالياً)، أظهرا تجاوباً منقطع النظير مع ذلك الطلب الرئاسي.

ولذلك، فقد بات "حديث المؤامرة" مهيمناً على كل منابر النقاش العمومية، لدرجة أن رسامة الكاريكاتير دعاء العدل، اضطرت أيضاً، كما زميلها عمرو سليم، إلى أن تخصص مساحتها، في الصحيفة نفسها، لرسم يُظهر موظفا وصل إلى عمله متأخراً، ليتلقى عتاباً من رئيسه، فيعمد إلى التبرير، قائلاً: "اتكعبلت في مؤامرة وأنا جاي في الطريق يا فندم".

يقول قطاع من النقاد إن التوسل بذرائع التآمر وصفة للأنظمة الخائبة، يركن إليها القادة لتبرير هزائمهم وعجزهم وفسادهم، ويذهب بعض الغلاة بين هؤلاء النقاد إلى أنه "لا توجد مؤامرة أصلاً"، وأن تدابير الاستهداف التي تنخرط فيها الدول والتنظيمات بعضها ضد بعض ليست سوى بعض آليات العمل السياسي وطريقة من طرق التعبير عن المواقف والمصالح عند ممارسة العلاقات الدولية.

إن هذا الاعتقاد ينطوي على مغالاة، كما أنه يحمل ذرائع نفيه في طياته.

فالمؤامرة وجدت منذ مطلع التاريخ، ويمكن القول إن تاريخ العلاقات الدولية ليس سوى تاريخ المؤامرات نفسها، وفي هذا الصدد يكفينا للتدليل على ذلك أن نورد بعض الوقائع التي نذكرها جميعاً؛ مثل إنشاء دولة إسرائيل، وتقسيم المنطقة العربية عبر اتفاقية "سايكس بيكو"، والعدوان الثلاثي على مصر، وصولاً إلى الدور المساند للإسلام السياسي في مواكبة اندلاع انتفاضات ما عُرف بـ "الربيع العربي".

لدينا إذن الكثير من البراهين لإثبات أن ثمة مؤامرات، كما يمكن ببساطة شديدة إثبات أن مصر بالذات تتعرض للتآمر، خصوصاً منذ اندلعت الانتفاضة في يناير 2011.

كيف تم التنسيق بين عمليات التظاهر وفتح السجون وتهريب السجناء الخطيرين؟ وكيف تم التمهيد لهيمنة الإسلاميين على "الثورة"، التي اندلعت من منطلق ليبرالي/ يساري (نادت بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية)، لتتحول إلى المطالبة بـ "تطبيق الشريعة"؟ وكيف تدخلت دول إقليمية وغربية، ونسقت، ودعمت، ومولت جماعات إرهابية، وغطت ممارستها للعنف؟ وكيف نسقت تلك الدول نفسها مع فصائل في الداخل، لكي تتزامن العمليات الإرهابية في الوادي، مع أخرى في سيناء، مع ضغوط سياسية في المحافل الدولية، وحملات من منظمات مجتمع مدني مشبوهة، وآلة إعلامية ضخمة تسخر جل مجهودها للإضرار بصورة الدولة، ودعوة مواطنيها للعصيان وممارسة العنف ضد السلطات؟

لا يمكن لمنصف أن ينكر أن مصر تعرضت بالفعل لمؤامرات خلال تلك الفترة، وأن تلك المؤامرات استهدفت تقويض الدولة، وإفشالها، أو زعزعة استقرارها وكبح تقدمها، كما لا يمكن لعاقل أن يعتقد أن ذلك الأمر يخص مصر بعينها ولا يشمل غيرها من الدول، أو أن مواجهة هذه التحديات تتطلب عسكرة المجتمع، وتحويل وسائل الإعلام به إلى أدوات دعاية "تقرع طبول الحرب المقدسة لإنقاذ الوطن".

ما تحتاجه مصر ليس تعبئة عامة أو حشداً واصطفافاً في المعركة الأخيرة "قبل سقوط الدولة"؛ ليس هذا هو الدواء الشافي للحالة المصرية؛ فكل ما هنالك أن مصر كدولة إقليمية مهمة ومحورية، تتعرض للتآمر من قوى إقليمية ودولية، وبسبب "قابليتها للاستهداف"، و"تراجع درجة مناعتها المؤسسية" فإن تلك المؤامرات التي تستهدفها تؤثر في استقرارها وقدرتها على الإنجاز، وربما تتصاعد نتائج هذا التآمر فتفضي إلى عجزها عن الوفاء بأدوارها الجوهرية، وهو أمر خطير من دون شك.

والحل ليس إثارة الفزع والهلع، ولا رهن الدولة كلها للتحسب من المؤامرة ومواجهتها، وإنما تقليل "القابلية للاستهداف"، وزيادة "المناعة الوطنية"، وهذا الأمر يتحقق فقط عبر التوعية، والمشاركة، والتعدد، والنقد البناء، وإخضاع الأداء للتقييم، ومساءلة المخطئ والفاسد والمقصر والفاشل، مهما كان موقعه، ومهما كان حجم المؤامرات التي تستهدف الوطن.

* كاتب مصري