بعد مرور اثني عشر شهراً متقلباً بسبب تهديد الأحزاب الشعبوية، يبدو أن أوروبا المركزية انطلقت في مسيرتها مجددا؛ فقد شكل كل من وصول إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه، وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت)، وازدياد الانقسام بين ضفتي الأطلسي، وترجيح إعادة انتخاب أنجيلا ميركل مستشارة، حافزا مفاجئا لدفع المحرك الفرنسي الألماني وتعزيز الاتحاد الأوروبي، وبالأخص منطقة اليورو.

وترتكز الفرضية المقبولة عموما على أن كل شيء رهن بالرئيس الفرنسي، إذ يتعين عليه إصلاح أسواق العمل في فرنسا وتحسين الأحوال المالية كشرط لأي تعاون بين فرنسا وألمانيا في مجال إصلاحات منطقة اليورو، ولكن هذا لا يشكل سوى نصف الحقيقة لأن الأهم بالنسبة إلى مصير منطقة اليورو هو الحليف الذي تختاره ميركل، أي الحزب الذي يتولى إدارة وزارة المالية.

Ad

التسويات بين فرنسا وألمانيا ليست طبيعية جدا رغم مرور خمسين عاماً من التعاون الثنائي الوثيق، إذ تظهر على هذه العلاقة عوارض زواج قسري.

ويكمن أهم تحد في الاتفاق على تطوير هندسة منطقة اليورو، إذ يجب تعزيز الاتحاد النقدي مع تجنب شعور الألمان بدفعهم تكاليف باهظة أو شعور الفرنسيين بأنهم وافقوا على قيود مالية قد تعوقهم.

ثلاثة إصلاحات فحسب جارية فعلا: أولا، مقدار الحيز المالي الذي تستطيع الدول استغلاله قبل الوصول إلى الحدود المالية القصوى المعممة في الاتحاد الاوروبي؛ وثانيا، إتمام الاتحاد المصرفي بمنطقة اليورو وبالأخص بمنطقة التأمين على الودائع في بلدان أوروبا؛ وثالثا، تكييف آلية الاستقرار الأوروبي، وهي صندوق الإنقاذ المالي في منطقة اليورو، لتتمتع بصلاحيات أكبر مع إمكانية إعطائها سلطات إضافية.

إن ما تبديه باريس من حماسة للإصلاحات، رغم التناقضات الهائلة، يجعل منها "الطرف الطالب" ويستدعي بالتالي دفعة سابقة ضخمة، وقد بات واضحا أن الإصلاحات في سوق العمل وحدها لن تكفي، وإذا واصلت فرنسا تخطيها المستويات المحددة للعجز في هذه السنة والسنة المقبلة كما هو مرجح، فسيعاني ماكرون لكسب الثقة في برلين.

وتدرك حكومة ماكرون هذا الواقع، فقد لمح رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب في خطاب السياسات العامة إلى أن الإصلاحات الموعودة قد تؤجل إلى حين تكييف العجز مع المستويات المطلوبة.

قد يكون اعتبار الكرة في ملعب فرنسا قراءة خاطئة للوضع، فميركل التي تخوض الانتخابات في سبتمبر ستواجه أيضا قيودا مختلفة، وتكشف استطلاعات الرأي أنها ستضمن ولايتها الرابعة على التوالي كمستشارة، ولكن مع حصول حزب اتحاد المسيحيين الديمقراطيين من اليمين المعتدل على نسبة 38 في المئة، ستحتاج ميركل إلى شريك ائتلافي.

ويسعى كل من الخطاب الذي أدلته ميركل في مهرجان بافاري، حيث حذرت من تعويل أوروبا على الولايات المتحدة، وشعار اتحاد المسيحيين الديمقراطيين، "أوروبا أقوى من أجل ألمانيا أقوى"، إلى تعزيز ولاية ميركيل أي تعزيز أوروبا نفسها.

وقد تصعب مهمة ميركل مع تنامي الوعي لأهمية وزارة المالية، هذا الوعي الذي لطالما تمتعت به بروكسل، والذي بات مقبولا إجمالا في برلين، حتى إن هذا المنصب يسمح بالسيطرة على سياسة ألمانيا الأوروبية وبالتأثير عليها.

إذا انضمت ميركل في نهاية المطاف إلى ائتلاف كبير مع الديمقراطيين الاشتراكيين في وزارة المالية، فستتسنى لها فرصة الانضمام إلى ماكرون في إصلاح طموح لمنطقة اليورو، في حال أرادت القيام بذلك.

ولكن إذا استطاع اتحاد المسيحيين الديمقراطيين والحزب الديمقراطي الحر الليبرالي جذب أكثر من 50 في المئة من الأصوات، فقد يستطيعون تشكيل إما ائتلاف يضمهما فحسب أو تحالف "جامايكا" يجمعهما مع الخضر. وليس من شأن ذلك تقويض آفاق الإصلاحات في منطقة اليورو، ولكنه قد يؤثر على سرعة الإصلاحات، بالأخص في حال أمسك الحزب الديمقراطي الحر بزمام الأمور المالية والاقتصادية.

تزداد مساحة الإصلاحات في منطقة اليورو ولكن من المبكر جدا التعويل على أي قدر من النجاح، ففي نهاية المطاف، تحدد قرارات المقترعين الألمان في سبتمبر التغيرات، إن وجدت، وليس قدرة ماكرون على إجراء إصلاحات على المستوى الوطني.

* مجتبى رحمن

* (بوليتيكو)