أعود إلى أحكام المحكمة الدستورية، التي كانت رفيقي في رحلتي إلى الخارج أتزود منها بالمبادئ العظيمة التي أرستها المحكمة في صون أحكام الدستور، ونعم الرفيق، حيث يغيب عنك رفيقك المعتاد في حياتك اليومية، لاسيما في دول أوروبا الشرقية، وهو أنباء وطننا العربي المحزنة والمؤلمة والمؤسفة.

عدت لأستكمل ما بدأته في مقال الأحد الماضي من قراءة أحكام المحكمة الدستورية التي صدرت في السنوات الأخيرة مستخلصا منها المبادئ التي أرستها حصنا حصينا للحقوق وملاذا أمينا للحريات، فاسترعى انتباهي عدد ليس بالقليل من الطعون الانتخابية في الانتخابات التي جرت في عام 2016، والتي أسسها أصحابها على رفض الآخر، وهو ما أوحى إليَّ بفكرة هذا المقال عن التعايش الذي شاهدته أثناء هذه الرحلة بين الأمم داخل منظومة الاتحاد الأوروبي، بل بين الأعراق والأجناس داخل الدولة الوحدة وقبول الآخر، لأتناول في هذا المقال وجهين من أوجه الطعن المختلفة على هذه الانتخابات، أولهما الطعن ببطلان الانتخابات بسبب رئاسة بعض القضاة غير الكويتيين للجان الانتخابات، والآخر ترؤس قاضيات كويتيات هذه اللجان.

Ad

وسوف أتناول في مقال قادم بإذن الله إن كان في العمر بقية وجها ثالثا من وجوه الطعن الانتخابي يحمل التوجه ذاته، وهو رفض الآخر تبعاً لنوع الجنسية أصلية كانت أو مكتسبة، لأنه يحتاج إلى وقفة طويلة.

ما قالته المحكمة الدستورية وحملت عليه قضاءها هو رفض هذين الوجهين من أوجه الطعن، بعدم قبول الطعن على رئاسة اللجان الانتخابية من قضاة غير كويتيين لأن قانون الانتخابات لم ينص صراحة على قصر رئاسة اللجان الانتخابية على رجال القضاء والنيابة العامة الكويتيين، الأمر الذي اعتبرت معه المحكمة الدستورية هذا الوجه من الطعن تجاوزاً للنطاق المحدد للطعن الانتخابي (جلسة 3/5/2017 في الطعون أرقام 11 و13 و38و44). وفي سياق الطعن على رئاسة قاضيات كويتيات للجان قضت المحكمة الدستورية برفض هذا الطعن لأن القضاة وأعضاء النيابة العامة يستمدون ولايتهم بحكم وظائفهم القضائية، فمن يعين في هذه الوظيفة تسري في شأنه جميع الأحكام المتعلقة بالوظيفة القضائية التي يشغلها سواء كان من الرجال أو النساء، ومن ثم يكون النعي ببطلان لجان الانتخاب التي أسندت رئاستها للنساء على غير أساس صحيح. (جلسة 3/5/2017 /الطعن رقم 16 لسنة 2016).

واستناداً إلى جواز تعيين وكلاء النيابة من أعضاء السلطة القضائية على الوجه المطلق – ومن بينهم وكيلات النيابة (النساء) – لرئاسة لجان الإشراف على الانتخاب، ومادامت هؤلاء الوكيلات تم تعيينهن ضمن أعضاء السلطة القضائية وفقا للدستور وقانون تنظيم القضاء وشغلن وظيفة النيابة العامة، فإن ذلك يوفر في حقهن تولي رئاسة اللجان الانتخابية، ومن ثم فإن هذا الوجه من النعي يكون حرياً بالرفض. (جلسة 3/5/2017 – الطعون ارقام 14 و16و29 و31 و33 لسنة 2016).

هذا ما قالته المحكمة الدستورية في هذه الطعون، وهو ما أعتبره – بحقٍّ – كافياً لحمل قضائها على رفض هذه الطعون، إلا أنني رأيت أن أطرح بعض الحقائق، لعلها تنير الطريق أمام أصحاب هذه الطعون الذين يخشون من إظهار الحقيقة أو حتى من محض معرفتها.

رسالة القضاء السامية

إذا كان الطعن الانتخابي هدفه حماية نزاهة الانتخابات وضمان سلامتها، فلن يكون هناك أقدر على تحقيق ذلك من القضاة الذين يؤدون رسالتهم السامية في حماية العدالة، ملاذاً للحريات وحصناً حصيناً للحقوق مع ما يتحلى به القاضي من صفات خاصة، وأهمها الحيدة والتجرد، بحيث لا يكون بينه وبين من يحكم له علاقة يرجح معها عدم استطاعة الحكم بغير ميل أو عداوة، وهم يؤدون رسالتهم متحررين من كل الضغوط أو القيود أو المؤثرات أو الإغراءات أو التهديدات أو التدخلات، لا تضعفهم رغبة، أو تثنيهم رهبة غير مبالين بما يحف بهم من مكاره. تلك هي رسالتهم المقدسة، ونبض حياتهم، ولن يحمل عنهم أحد وزرهم في الدار الآخرة إذا حادوا عن الحق أو تنكبوا العدل، وهو أعز المقدسات.

إنها ولاية القضاء، وهي أعلى الولايات قدراً وأجلها خطراً وأعزها مكاناً وأعظمها شأناً وأشرفها ذكراً، يقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: "عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة".

ويكون من قبيل التناقض أيضاً أن تقبل ولاية القضاء لغير الكويتي بائتمانه على أرواحنا وحياتنا وأعراضنا وأموالنا، ولا نقبلها في رئاسة لجان الانتخابات مدة يوم واحد كل أربع سنوات، وأن نقبل ولاية المرأة للقضاء في هذا كله، ولا نقبل رئاستها للجان الانتخابات لمجلس تشريعي هي شريكة فيه أصلاً تنتخب أعضاءه وتتبوأ مقاعده.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.