ليست المشكلة حقيقةً هي في وجود أصحاب الشهادات الوهمية على رؤوس مناصبهم، فهذا السباق الذي يخوضه، أو يظهر أنه يخوضه، مسؤولو الدولة للتعرف إليهم وإزالتهم من مناصبهم ليس هو السباق الذي يجب أن نلهث في مضماره حالياً. هؤلاء المزورون ليسوا هم المعضلة، فالضرر المتأتي من جلوسهم على كراسي لا يستحقونها قد وقع وانتهى، وعلى أية حال، فكراسيهم هذه ليست مخلدة لهم، سيغسلهم من عليها الزمن والموت كما سيغسلاننا جميعاً، سينتهون كما انتهى من سبقهم وكما سننتهي كلنا ذات يوم. الخوف كل الخوف من القادم الآتي، وعليه فالجري في المضمار يجب أن يكون من أجل المستقبل، من أجل إيقاف الشهادات والوظائف والمناصب المزورة والتي نراها قادمة واقعة لا محالة مادام قد بقي في هذا البلد صوت علاقة ورنة اسم عائلة وورق بنكنوت تعلو جميعاً على الحق والقانون.

كل يوم في هذا البلد الثري الصغير يجلس فاشل في منصب لا يستحقه، يستقبل كسولٌ درجة لم يجنها بعمله، يحصل متنفذ على تسهيلات ليست من حقه، كل يوم في هذا البلد تُزوَّر شهادة ما في مكان ما، يُفبرَك حدث، يُسلب استحقاق، يُسرق حق، يُستولى على نصيب. من أكبر درجات التزوير إلى أصغرها تحدث في بلدنا كل يوم وبعلمنا وبمشاركتنا قبولاً وسكوتاً، حتى أصبحت أبسط وأدق معاملات حياتنا تمشي تزويراً بدرجة أو بأخرى. كل وسائطنا الصغيرة التي نطلبها بشكل يومي والتي لا نرى حلاً أو مخرجاً من أزماتنا دونها، وأحياناً لا نرى طريقاً لأخذ حقوقنا دون الاستعانة بها، أليست تزويراً بدرجة أو بأخرى؟ ومَن المسؤول عن هذا التزوير، العنكبوت الصغيرة المحشورة في الشبكة الضخمة أم العنكبوت الأم القابعة في منتصفها والتي تحيك كل خيوطها؟

Ad

أصحاب الشهادات الوهمية عرض من أعراض المرض الخطير الذي سيفتك بنا إن آجلاً أو عاجلاً، كيف؟ هذا المرض غريب، يتلف خلايا المخ بأن يجعل صاحبه يعتقد أن مصلحته الآنية في تمشية وساطة ستسهل وساطته هو نفسه لاحقاً، ولأن خلايا المخ التالفة لا تستطيع أن ترى أبعد من سنة قادمة، فهذا الشخص لا يرى كمية التلف والخراب التي يزرعها هو في الطريق القادم لأبنائه وأحفاده ببذر السموم في نظام حياتهم بوضع الأفراد الخطأ في الأماكن الخطأ، والتي غالباً ما تكون أماكن خطيرة حساسة الخدمات: دكتور يعلم أجيالاً قادمة، طبيب يعالج المرضى، أو طيار يحلق بأرواح المئات في الهواء. سنة بعد سنة تبذر البذرة السامة لتنمو إلى نبتة سامة، لتنشر هذه المزيد من السموم حول تربتها، وقبل أن تمر عشر سنوات، يتسمم الحقل كله، ويأتي تالف المخ ليشتكي من حاله وهو مدفون في مستنقع آسن لا فكاك منه، غير واعٍ أنه أول من حفر الحفرة وبذر البذرة وملأها بماء نجس لن يعود بالإمكان تطهيره بعد الآن.

أصحاب الشهادات مساكين، هم من بين خلق الله تم فضحهم في هذا البلد، وهم من سيتحملون العقوبة كاملة لنظام كامل يعمل من عشرات السنوات لا يزال أصحابه وحائكوه سالمين غانمين قابعين في الظل البارد المريح. لن يتحقق إصلاح حقيقي بالضجة المفتعلة كلما تسربت فضيحة للإعلام وبمحاولة إخماد نيرانها وإسكات الرأي العام حولها بمعاقبة المتورطين فيها، فهؤلاء هم فقط رأس جبل ثلج هائل مدفون أسفل محيطنا القبلي الطبقي العميق. فإما كشفُ الجبل كله وإذابته عن بكرة أبيه، أو اتركوا المفضوحين الصغار في حالهم، فهم يسترون قمة الجبل على كل حال.