لم تعد الوظيفة الحكومية إلا تمضية للوقت وتأميناً للقمة العيش، فكثير ممن أعرفهم رغم حماسهم وحبهم للعمل يرون الوظيفة الحكومية طاردة، لدرجة أنها لو نطقت لقالت لكل منهم: "اغرب عن وجهي فأنت إنسان مجتهد ومخلص لا نريدك في بيئتنا لأنك توقظنا من ضلالنا"، تريد طرد المواطن لتوظف براتبه ثلاثة وافدين، هكذا أصبحت، ولم تعد تغري إلا ذوي الكفاءات المحدودة والرغبات المتواضعة.

أما الشخص الواعي والمملوء بالحياة وصاحب الهمة العالية فإنه يجعل من تلك الوظيفة الحكومية عاملاً مساعداً لوصوله إلى غايته وأهدافه العظمى عبر إيجاد شغفه وبناء نفسه من خلال مشروعه الذي يصب حتماً في خدمة البلاد، وفي نفس الوقت يترك بصمة جميلة في عمله الحكومي، فيرعى مشروعه بكل حب واهتمام ويفرغ كل طاقته وهوسه فيه.. وعندما يتمكن من ذلك يودع تلك الوظيفة بكل حب، غير أن البعض لا يمكنه تحمل هذا، فبمجرد أن يرى وجوده مثل عدمه فإنه لا يقبل على نفسه الامتهان، لذا يقرر الانسحاب منذ البداية ليبحث عن شغفه الذي يحقق به ذاته بأي طريقة، سواء بالاعتماد على الآخرين أو الدخول ضمن الشراكات، أو حتى البداية بمبلغ بسيط أو من الصفر بعد أن يقرأ ويتعلم ويراقب من سبقوه في مجال شغفه.

Ad

ورسالة إلى أولي الأمر من مسؤولي الوظائف الحكومية، الطاقة البشرية كنز لا يفنى، فمن الأولى إعادة النظر في التوصيف الوظيفي وتشريحها، وعلى الدولة غربلة الوظائف لإيجاد الأشخاص المناسبين وتوظيفهم في الأماكن المناسبة، كما أن عليها أن توضح الشرائح المطلوبة لسوق العمل حتى تكون الوظيفة نافعة بكل مقاييسها ومشبعة لهمم الشباب وطاقتهم، وأن تعيد النظر في كثير من الوظائف التي ستنقرض مع التوسع التكنولوجي والتوجه العالمي نحو "النانو تكنولوجي"، مع حلول وظائف غريبة وجديدة مختلفة تماما؛ لذا عليها أن تقرأ سوق العمل بشكل أفضل مع التغيرات التي ستطرأ على العالم، وتعيد النظر في الاستغلال الأمثل للطاقة البشرية القادمة، إلا إذا استمرت على "طمام المرحوم" بترسيخ المنهجية المتبعة بطرد المواطنين بشكل غير مباشر من الوظائف، لتؤول البلاد إلى مزيد من الفساد وقتل الضمير الحي.