تسارع الأحداث السياسية العالمية والإقليمية لا ينبغي أن ينسينا وضعنا الداخلي، إذ إن تماسك الجبهة الوطنية وقوتها هما خط الدفاع الأول عن الوطن، لا سيما ونحن نعيش مرحلة انتقالية تاريخية صعبة ومُعقدة، فالعالم القديم ما زال يصارع بشق الأنفس من أجل البقاء، والعالم الجديد في طور التشكّل، وبعض معالمه لم تتضح بعد.

الجبهة الداخلية هي الأساس الذي تُبنى عليه السياسة الخارجية، فتماسكها يُرشد القرارات، ويحمي الوطن من الضغوط والتدخلات السياسية الخارجية غير المستبعدة في ظل وضع دولي غير مستقر، ومشاكل إقليمية متشابكة ومُعقدة.

Ad

وفي هذا السياق، فإن تماسك الجبهة الداخية التي تعاني، في الوقت الحاضر، تشظيا اجتماعيا مؤسفا، واستقطابات فئوية وطائفية وعنصرية حادة، يتطلب، كما ذكرنا من قبل، طرح مشروع وطني نهضوي يقوم على الالتزام الفعلي بالدستور وتطويره، والإصلاح السياسي والديمقراطي الشامل كي تمارس المؤسسات الدستورية دورها المؤسسي والوطني الحقيقي، على أن تكون البداية بتنظيم العمل السياسي على أسس مدنية وديمقراطية بدلاً من استمرار الفوضى السياسية الحالية، وسيطرة تيارات الإسلام السياسي بشقيه السنّي والشيعي على المشهد السياسي العام، مما أدى إلى وصول عناصر وجماعات طائفية، وفئوية، وعنصرية تعادي النظام الديمقراطي لسلطة اتخاذ القرار السياسي، وذلك في تناقض صارخ مع أسس الدولة الحديثة، وقواعد النظام الديمقراطي الذي وضع الدستور إطاره العام.

كما يقوم المشروع أيضاً على قاعدة المشاركة الشعبية العريضة في العملية السياسية من خلال التوافق الوطني على إصدار قانون جديد وعصري للانتخابات العامة، بحيث ينتج عنه تمثيل شعبي فعلي لمن يتولى مسؤولية الشأن العام، وبالذات من ينوب عن الأمة ويخدم مصالح الشعب، إذ من غير المعقول أن يتحدث باسم الشعب، ويزعم الدفاع عن قضاياه المعيشية والوطنية من لا يُمثله حقيقة، بل يُمثل جزءا من قبيلته، أو طائفته، أو عائلته، أو مصالحه الخاصة.

وعند البدء بتنفيذ المشروع الوطني النهضوي الجديد الذي يستهدف الإصلاح المدني الديمقراطي للمنظومة السياسية من أجل استكمال بناء الدولة الحديثة، والمستند إلى الإرادة السياسية الشعبية والجبهة الداخلية القوية والمتماسكة سيكون بإمكان سياستنا الخارجية الاعتماد، في مواقفها مما يجري في الإقليم والعالم، على قرارات وسياسات مصدرها الشعب صاحب السيادة، وهو الأمر الذي يجعلها قادرة بسهولة ويُسر على مواجهة الضغوط القوية التي قد تمارسها أطراف إقليمية ودولية مختلفة، فضلاً عن تجنب الإحراجات السياسية الخارجية.